حياة الشيخ سيد أحمد التجاني

كان رضي الله عنه شديد الحزم حيث يقول في نفسه «من طبعي أنني إذا ابتدأت شيئا لا أرجع عنه وما شرعت في أمر قط إلا أتممته». وبهذا الحزم كان يوصي أصحابه فيقول «همة الإنسان قاهرة لجميع الأكوان».

 

حياة الشيخ سيد أحمد التجاني

 

1-مولده ونشأته:

 

ولد الشيخ سيد أحمد التجاني بعين ماضي في الجزائر سنة 1150هـ 1737م ونشأ في تلك البيئة الصحراوية في وسط أسرته الشريفة المشبعة بالعلم والتصوف من تلاوة للقرآن واعتماد الصلوات والاحتفال بالأعياد الدينية والليالي الفاضلة، ولما أدرك وصار يميز، ودخل مرحلة النضج أدخله والده في المكتبة فحفظ القرآن العظيم برواية نافع حفظا جيدا في سبعة أعوام قبل أن يبلغ الحلم على الشيخ أبي عبد الله محمد بن حمو التجاني! المتوفى سنة 1162هـ وشيخه هذا قرأ على يد الشيخ عيسى بن عكاز المضاوي التجاني! الذي كان معروفا بالصلاح والفضل، لما بلغ الحلم زوجه والده فتاة شريفة النسب، ومضى مع والده سنة كاملة قرأ فيها مختصر الشيخ خليل على الفقيه المبروك بن أبي عافية المضاوي التجاني! وقرأ عليه أيضا الرسالة ومقدمة ابن رشد والأخضري، ومكث مع هذا الشيخ حتى توفي سنة 1166هـ وهو نفس العام الذي توفي فيه والد الشيخ، فقد ماتت أمه مع والده بنفس اليوم بسبب الطاعون، وإثر وفاة والده طلق زوجته لكي يتفرغ لطلب العلم حتى صار عالما في الأصول اللغوية والشرعية والأدبية وتعمق في تلك الدراسات حتى أصبح أهلا للتدريس والفتيى[1].

 

وكان الشيخ التجاني مالكي المذهب ويرد على كل الأسئلة التي ترد إليه من كل مكان وكانت له اجتهادات وترجيحات في بعض الأقوال داخل المذهب.

 

-الشيخ وعلم العقائد:

 

بعد أن رسخ الشيخ التجاني في الفقه وما يتعلق به اهتم بعلم الكلام، حتى أصبح من الفحول في علم العقائد. حيث وصفه محمد بن المشري بقوله: (وكانت له القوة على التصحيح و التعليل ولابطال لم تكن في غيره إلا أنه كان في أول عمر على طريق المتكملين في الوقوف مع الأدلة العقلية، ثم بعد رجوعه من الحج رجع إلى أدلة النقل وأبطل قولهم «بأن العقلي قطعي، والنقلي إقناعي»[2]

 

-أخلاقه:

 

وصفه أحد التلاميذ [3] بقوله: «بهي المنظر، منور الشبيه عظيم الهيبة أبيض معتدل القامة حلو المنطق فصيح اللسان، يعبر عن مراده في غاية البيان وهو من حفاظ أهل زمانه .. ويلبس المتوسط من الثياب مما يقيه الحر والبرد كما تلبس عامة الناس، ولا يحب الامتياز بثوب حسن ولا قبيح».

 

وكان شديد الحزم حيث يقول في نفسه «من طبعي أنني إذا ابتدأت شيئا لا أرجع عنه وما شرعت في أمر قط إلا أتممته». وبهذا الحزم كان يوصي أصحابه فيقول «همة الإنسان قاهرة لجميع الأكوان».

 

ووجه الشيخ همته هذه إلى مجاهدة نفسه في شبابه من صيام وقيام وعبادات وعلم و أمر بمعروف ونهي عن منكر إلى كهولته، مما تسبب له في عداوة الحكام الأتراك حتى أرغم على الهجرة من بلده وفي الأربعين سنة من عمره تجرد إلى دعوة الخلق إلى الله تعالى.

 

2-حياة الشيخ الصوفية

 

قطع الشيخ مراحل في حياته الصوفية بدأت منذ ولادته 1150هـ إلى بلوغه من العمر 21 سنة وهي مرحلة التكوين النفساني والعقلي.

 

ورسوخه في العلوم الشرعية والأدبية حتى أصبح مؤهلا للتدريس والإفتاء، وتاقت نفسه إلى أحوال أهل الطريق للوصول إلى مراتبهم ومن شدة ذلك كان يرى أحيانا مرائي تشجعه نحو المضي قدما نحو الطريق.

 

فتعمق الشيخ في الإطلاع على علوم الدين وأصول الشريعة ومقاصدها، والذي أوصله إلى النتيجة التي توصل إليها قبله أكثر أئمة الإسلام من أمثال الحسن البصري! والجنيد! والسهر وردي! وأبو مدين!

 

تلك النتيجة التي عبر عنها أبو حامد محمد الغزالي بقوله: «انكشفت لي أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لكي ينتفع به أنني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون إلى طريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع، من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوءة على وجه الأرض نور يستضاء به، وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريق طهارتها –وهي أول شروطها- تطهير القلب عن كل ما سوى الله تعالى، مفتاحها الجاري مجرى التحريم من الصلاة استغراق القلب بالكلية بذكر الله وآخرها الفناء بالكلية في الله. وهذا آخرها بالإضافة إلى ما لا يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول طريق تبتدئ بالمشاهدات والمكاشفات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يرتقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق»[4].

 

إلا أن هذه المراحل مكن تلخيصها كالآتي:

 

-     المرحلة الأولى:1150هـ-1171هـحفظه القرآن وتمكنه من العلوم الشرعية والأدبية.

 

-     المرحلة الثانية:1171هـ-1186هـ لقاؤه شيوخ التصوف في فاس ونواحيها وأخذه للطريقة الطيبية والناصرية والقادرية وغيرها. وظهور أول أحواله الروحية في جامع "القرويين" ثم تركه لتلك الطرق واعتكافه للتعبد والخلوات في "الأبيض" حيث فاضت عليه أحوال روحية طاهرة جعلت الناس يلتفون حوله للأخذ عنه وهو يفر منهم.

 

-     المرحلة الثالثة:1187هـ لقاؤه مع شيخه محمود الكَرْدي بمصر! خلال سفره للحج وأخذه عنه الطريقة الخلوتية. ثم لقاؤه في مكة مع أحمد بن عبد الله الهندي! وفي المدينة مع محمد بن عبد الكريم السمان! الخلوتي الطريقة وأخذ عنهما علوما وأذكارا ثم رجوعه للشيخ الكردي بالقاهرة وإجازته في إرشاد الخلق على نهج الخلوتية.

 

-     المرحلة الرابعة: 1196هـتصدره للمشيخة والتربية على منهج جديد اختص به سمي بـ "الطريقة الأحمدية" أو "التجانية" وكان الورد الذي يلقنه للناس يتألف من الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سنة 1200هـ أضاف إلى ورده العام كلمة (لا إله إلا الله) وبدأت طريقته تنتشر سريعا في الجنوب الجزائري خصوصا، وفي سنة 1214هـ تمكنه ورسوخه في مقام المشيخة والتربية الروحية والدعوة إلى الله حيث أصبح عنده تلاميذه قطبا كبيرا حائزا على مرتبة الختمية في الولاية.

 

ثم اشتهار طريقة في إفريقيا الشمالية ومصر والسودان والكثير من بقاع العالم، ثم توفي 1230هـ بعد أن ترك عشرات من الزوايا وآلافا من الأتباع وعددا هاما من الخلفاء.

 

هكذا بدأت لنا حياة الشيخ الصوفية جلية وواضحة وزاخرة كلها بطلب العلم واكتساب المعارف وبثها بين مختلف شرائح المجتمعات، فهي حياة خالصة لوجه الله تعالى، قضاها كلها في خدمة الإسلام والمسلمين، ونشر التعاليم الدينية في كافة أنحاء المعمورة على يده ويد أتباعه من بعده، الذين حققوا فتوحات وانتصارات متتالية في العديد من البلدان.

 

إعداد الطالب: النح ولد سالم                              

 

إشراف الأستاذ:   د.محمد الحنفي ولد محمد المختار ولد دهاه

 

                           

 


 

[1]- أضواء على الشيخ أحمد التجاني وأتباعه، تأليف عبد الباقي مفتاح،ص:139.

 

[2]- تأليف محمد المشري في كتابه، الجامع لدرر لعلوم،ص:122

 

[3]-علي حرازمي برادة، أحد التلاميذ المحضرة

 

[4]-كتاب أبو حامد محمد الغزالي: المنقذ من الضلال،ص140.