رحلة حج شيخ الطريقة والوفد المرافق له

قام شيخ الطريقة التجانية سيدي محمد الكبير التجانية بحج بيت الله الحرام رفقة وفد تجاني هام مكون من علماء ومقدمين ومادحين وفقراء أدوا مناسك الحج والعمرة وزاروا قبر المصطفى صلى الله عليه آله وسلم عام 1432وافق سنة 2011.

 

تبركا وتيمنا بسعد هذه الرحلة ننشر من كتاب جواهر المعاني رحلة الشيخ سيدي أحمد التجاني وما وقع له من الفتح أثناء وبعد أداء فريضة الحج * 1186-1772/73 هجري :

 

رحلة الشيخ سيدي أحمد التجاني
وما وقع له من الفتح أثناء وبعد أداء فريضة الحج
* 1186-1772/73 هجري :


في سن السادسة و الثلاثين قصد الحج الى بيت الله الحرام.
ثُمَّ انْتَقَلَ مِنَ المَغْرِبِ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّحْرَاءِ، قَاصِداً زَاوِيَةَ الشَّيْخِ سَيِّدِي عَبْدِ القَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالأَبْيَضِ، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى تِلِمْسَانَ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضاً، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ تِلِمْسَانَ قَاصِداً الحَجَّ لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، وَزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلَدِ ازْوَاوَى بِقُرْبِ الجَزَائِرِ، سَمِعَ بِالشَّيْخِ الإِمَامِ، وَالعَارِفِ الهُمَامِ، قُدْوَةِ المُتَّقِينَ، وَعُمْدَةِ المُحَقِّقِينَ، أَبِي عَبْدِ اللهِ سَيِّدِي مَحَمَّدٍ -بِالفَتْحِ- بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ الأَزْهَرِيِّ، لَقِيَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ الطَّرِيقَةَ [الخَلْوَتِيَّةَ]، وَكَانَ لِهَذَا الشَّيْخِ t صِيتٌ كَبِيرٌ، وَأَتْبَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ زَوَايَا كَبِيرَةٌ. تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ فَاتِحَ المُحَرَّمِ، عَامَ ثَمَانِيَةٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ.
فَلَمَّا دَخَلَ تُونُسَ عَامَ سِتَّةٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، لَقِيَ بَعْضَ الأَوْلِيَاءِ بِهَا، مِنْهُمْ الوَلِيُّ الشَّهِيرُ، صَاحِبُ القَدْرِ الكَبِيرِ، سَيِّدِي عَبْدُ الصَّمَدِ الرَّحَوِي، وَكَانَ تَحْتَ وِلاَيَةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ قُطْبُ تِلْكَ البَلْدَةِ، وَكَانَ فِي صُحْبَتِهِ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ، وَلَمْ يُلاَقُونَهُ إِلاَّ لَيْلاً، لِسِتْرِهِ عَلَى حَالِهِ فِي لَيْلَةِ الجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الإِثْنَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ t: طَلَبْتُ مِنْ سَيِّدِي عَبْدِ الصَّمَدِ مُلاَقَاةَ هَذَا السَّيِّدِ t، فَامْتَنَعَ مُتَعَلِّلاً بِعَدَمِ مُلاَقَاةِ أَحَدٍ أَصْلاً، فَبَعَثَ لَهُ مَحْبُوباً مَعَ صَاحِبِهِ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الوَلِيُّ: المَحْبُوبُ بَعَثَ مَحْبُوباً. فَأَقَامَ سَنَةً كَامِلَةً، بَعْضُهَا بِتُونُسَ، وَبَعْضُهَا بِمَدِينَةِ سُوسَةَ، فَدَرَّسَ بِتُونُسَ كِتَابَ الحِكَمِ وَغَيْرَهَا، فَأَرْسَلَ لَهُ أَمِيرُ البَلَدِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ بِتُونُسَ لِقِرَاءَةِ العِلْمِ وَتَدْرِيسِهِ، وَالقِيَامِ بِأَمْرِ الدِّينَ وَتَدْرِيسِهِ، وَنَفَّذَ لَهُ دَاراً وَمَسْجِدَ الزَّيْتُونَةِ لِلْقِرَاءَةِ، وَعَيَّنَ لَهُ مُرَتَّباً عَظِيماً، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ الأَمِيرِ مَسَكَهُ وَسَكَتَ، وَمِنَ الغَدِ تَهَيَّأَ لِلسَّفَرِ فِي البَحْرِ لِمِصْرَ القَاهِرَةَ قَاصِداً الحَجَّ، وَعَازِماً عَلَى الأَخْذِ عَنِ الشَّيْخِ مَحْمُودٍ الكُرْدِي، وَاسْتِسْلاَمِ القِيَادِ لَهُ وَالسُّلُوكِ بِطَرِيقَتِهِ وَالسَّيْرِ بِسِيرَتِهِ لِرُؤْيَةٍ رَآهَا هُنَالِكَ. فَبَعَثَ لِذَلِكَ الوَلِيِّ خَدِيمَهُ، سَيِّدِي عَبْدَ الصَّمَدِ، وَقَالَ قُلْ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ السَّفَرَ فِي البَحْرِ لِمِصْرَ القَاهِرَةِ، وَاطْلُبْ مِنْهُ الضَّمَانَ فِي البَحْرِ مِنْ كُلِّ مَا يُرَوِّعُ البَالَ، وَمَا يُشَوِّشُ الحَالَ، فَسَاعَفَهُ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ أَنْتَ مَضْمُونٌ ذَهَاباً وَإِيَاباً، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَكِبَ فِي البَحْرِ مُتَوَجِّهاً لِمِصْرَ، فَحَفِظَهُ اللهُ إِلَى أَنْ بَلَغَ بِالسَّلاَمَةِ وَالعَافِيَةِ لِمِصْرَ القَاهِرَةِ، فَسَأَلَ عَنِ الشَّيْخِ الهُمَامِ، العَالِمِ الإِمَامِ، المُشَارِكِ النَّبِيلِ، المُحَدِّثِ الصُّوفِيِّ الجَلِيلِ، ذِي الفِكْرِ الصَّائِبِ، وَالذِّهْنِ الثَّاقِبِ، الفَاضِلِ المُنِيفِ، الأَعْرَفِ الزَّاهِدِ العَفِيفِ، حُجَّةِ الإِسْلاَمِ، وَقُدْوَةِ الأَنَامِ، العَارِفِ الكَبِيرِ، الوَلِيِّ الشَّهِيرِ، طَوْدِ المَعْرِفَةِ الشَّامِخِ، المُتَمَكِّنِ الرَّاسِخِ، الكَامِلِ العِرْفَانِ وَالاِتِّبَاعِ، المُوصِّلِ المُرَبِّي النَّفَّاعِ، أَبُو الفَضَائِلِ سَيِّدِي مَحْمُودٍ الكُرْدِي المِصْرِي دَاراً وَقَرَاراً، العِرَاقِي أَصْلاً وَمَنْشَأً t، وَأَفَاضَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ آمِينَ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا t، أَوَّلَ مُلاَقَاتِهِ قَالَ لَهُ: أَنْتَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا t: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ لَهُ: مِنَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا t: رَأَيْتُكَ وأَنْتَ بِتُونُسَ، فَقُلْتُ لَكَ: إِنِّي نُحَاسٌ كُلُّ ذَاتِي، قُلْتَ لِي: هُوَ كَذَلِكَ، وَأَنَا أُقَلِّبُ نُحَاسَكَ ذَهَباً، فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ t: هُوَ كَمَا رَأَيْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ: مَا مَطْلَبُكَ؟ قَالَ لَهُ: مَطْلَبِي القُطْبَانِيَةُ العُظْمَى، قَالَ لَهُ: لَكَ أَكْثَرُ مِنْهَا، قَالَ لَهُ: عَلَيْك، قَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَهُ t عَنْ نَفْسِهِ، وَمَا وَقَعَ لَهُ فِي سِيَاحَتِهِ، وَسَبَبِ مُلاَقَاتِهِ مَعَ شَيْخِهِ الحِفْنِي، وَشَيْخِ شَيْخِهِ، الشَّيْخِ مَوْلاَنَا مُصْطَفَى البَكْرِي الصِّدِّيقِي y أَجْمَعِينَ.
فَتَهَيَّأَ سَيِّدُنَا t لِلسَّفَرِ لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ فِي البَحْرِ فَوَاعَدَهُ الشَّيْخُ، وَدَعَا لَهُ وَضَمِنَهُ فِي سَفَرِهِ فِي الذَّهَابِ وَالإِيَابِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ، زَادَهَا اللهُ عُلُوّاً وَرِفْعَةً، وَشَرَفاً وَمَكَانَةً، فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ، -بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى البَاءِ- وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، فَبَحَثَ هُنَالِكَ عَنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالصَّلاَحِ، وَالرُّشْدِ وَالفَلاَحِ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ t، لِيُحَصِّلَ كَمَالَ الطَّلَبِ وَالنَّجَاحِ، فَسَمِعَ بِالشَّيْخِ الإِمَامِ، الحَبْرِ الهُمَامِ، بَدْرِ التَّمَامِ، وَمِسْكِ الخِتَامِ، وَشَمْسِ الأَنَامِ، وَقَمَرِ دَائِرَةِ الأَعْلاَمِ، أَبُو العَبَّاسِ سَيِّدِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الهِنْدِي، قَاطِنِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ t، أَخَذَ عَنْهُ t عُلُوماً وَأَسْرَاراً وَحِكَماً وَأَنْوَاراً مِنْ غَيْرِ مُلاَقَاةٍ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ يُرَاسِلُهُ مَعَ خَادِمِهِ، وَهُوَ الوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِذْنٌ فِي مُلاَقَاةِ أَحَدٍ أَصْلاً بَعْدَ طَلَبِ سَيِّدِنَا لَهُ بِمُلاَقَاتِهِ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ لاَ إِذْنَ لَهُ فِي مُلاَقَاةِ أَحَدٍ أَصْلاً، وَانْتَفَعَ سَيِّدُنَا عَلَى يَدَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَارِثُ عُلُومِي وَأَسْرَارِي وَمَوَاهِبِي وَأَنْوَارِي، فَلَمَّا كَتَبَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِخَادِمِهِ: هَذَا الذِي كُنْتُ أَتَرَجَّاهُ، قُلْ لَهُ هُوَ وَارِثِي، فَقَالَ لَهُ خَادِمُهُ: هَذِهِ مُدَّةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَاماً وَأَنَا أَخْدِمُكَ، وَالآنَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ نَاحِيَةِ المَغْرِبِ، تَقُولُ لِي هُوَ وَارِثِي، فَقَالَ لَهُ: لاَ أَتَرَجَّى إِلاَّ هُوَ، وَهَذَا لَيْسَ لأَِحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، لَوْ كَانَ اِخْتِيَارٌ لِي لَنَفَعْتُ بِذَلِكَ وَلَدِي بِهِ قَبْلَكَ، مُنْذُ زَمَانٍ وَأَنَا أَتَرَجَّى وَأَتَرَقَّبُ لَهُ فِي الغَيْبِ نَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ، لَمْ يُرِدِ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَتَى صَاحِبُهُ.
فَكَتَبَ لِسَيِّدِنَا حِينَئِذٍ وَقَالَ لَهُ: بِحَقِّي عَلَيْكَ إِلاَّ مَا فَعَلْتَ مَعَ وَلَدِي خَيْراً، وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ يَمُوتُ فِي عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ اللهِ ذِي الحِجَّةِ الحَرَامِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، دَعَا وَلَدَهُ شَيْخُنَا، وَدَخَلَ مَعَهُ لِلْبَيْتِ، وَمَكَّنَهُ مِنَ السِّرِّ حِفْظاً لأَمَانَةِ الشَّيْخِ وَلِلْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ t، أَعْطَى لِسَيِّدِنَا سِرّاً كَبِيراً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَعْتَزِلُ النَّاسَ وَلاَ يَرَاهُ أَحَدٌ قَطُّ بَعْدَ هَذَا العَمَلِ، فَلَمْ يَفْعَلْ سَيِّدُنَا t لِهَذَا الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وَحِينَ دَنَا الرَّحِيلُ لِعَرَفَةَ، قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا t فِي رِسَالَتِهِ طَالِباً مِنْهُ المُلاَقَاةَ، لأَنَّ أَوَانَ الفِرَاقِ قَدْ دَنَا، لِيَنْظُرَ طَلْعَتَهُ البَهِيَّةَ وَمَا وَنَا، فَقَالَ لَهُ: لاَ إِذْنَ لِي فِي المُلاَقَاةِ، وَلَكِنْ تَلْتَقِي بِالقُطْبِ بَعْدِي، يَكْفِيكَ عَنِّي، يُشِيرُ لَهُ إِلَى مُلاَقَاتِهِ بِالشَّيْخِ السَّمَّانِ، وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لاَبُدَّ لَهُ مِنْ بُلُوغِ مَقَامِ الشَّيْخِ أَبِي الحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ t، كَمَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ سَيِّدِي مَحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَأَخْبَرَهُ بِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ عِنْدَ سَيِّدِنَا فِي العُلُومِ وَالأَسْرَارِ وَالخَوَاصِّ وَالأَنْوَارِ، تُوُفِّيَ t عَامَ سَبْعَةٍ -بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى البَاءِ- وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ.
وَلَمَّا قَضَى نُسُكَهُ، وَكَمَّلَ حَجَّهُ المَبْرُورَ، وَسَعْيَهُ المَشْكُورَ، ارْتَحَلَ لِلْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ المَبْرُورِ، فَلَمَّا بَلَغَ لِمَدِينَةِ الرَّسُولِ y وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَمَجَّدَ وَعَظَّمَ، تَوَجَّهَ لِزِيَارَةِ القَبْرِ الشَّرِيفِ، وَمَا أَوْدَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ السِّرِّ المُنِيفِ، فَدَخَلَ بِهَيْبَةٍ وَوَقَارٍ وَإِعْظَامٍ وَإِكْبَارٍ، فَأَعْطَى لِلْمَقَامِ مَا يُنَاسِبُ قَدْرَهُ العَظِيمَ، مِنَ الآدَابِ وَالإِجْلاَلِ وَالتَّذَلُّلِ وَالخُضُوعِ العَمِيمِ، فَلَمَّا قَضَى زِيَارَتَهُ، وَكَمَّلَ اللهُ رَغْبَتَهُ وَأُمْنِيَتَهُ، الْتَفَتَ [إِلَى مُلاَقَاتِ] القُطْبِ الشَّهِيرِ، وَالعَالِمِ الكَبِيرِ، صَاحِبِ الكَرَامَاتِ البَاهِرَةِ، وَالإِشَارَاتِ الفَاخِرَةِ، أَبِي عَبْدِ اللهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ الشَّهِيرِ بِالسَّمَّانِ t، فَلَمَّا لاَقَاهُ أَخْبَرَهُ بِحَالِهِ وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فِي عَاقِبَةِ مَآلِهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ الشَّيْخُ المَذْكُورُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ سَيِّدُنَا، ويُدْخِلَهُ الخَلْوَةَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَيُصْبِغَهُ صِبْغَةً تَامَّةً، فَتَعَلَّلَ لَهُ سَيِّدُنَا بِعَدَمِ الإِقَامَةِ لِعُذْرٍ قَامَ بِهِ، فَأَذِنَهُ الشَّيْخُ المَذْكُورُ بَعْدَ طَلَبِ سَيِّدِنَا لَهُ فِي جَمِيعِ الأَسْمَاءِ وَالمُسَمَّيَاتِ، وَأَخْبَرَهُ t، بِأَنَّهُ هُوَ القُطْبُ الجَامِعُ، وَقَالَ لِسَيِّدِنَا: اطْلُبْ مَا شِئْتَ، فَطَلَبَ مِنْهُ سَيِّدُنَا أُمُوراً، فَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ رَجَعَ لِمِصْرَ القَاهِرَةِ مَعَ رَكْبِ الحَجِيجِ بِالسَّلاَمَةِ وَالعَافِيَةِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا مَحْفُوفاً بِالكَرَامَةِ وَالعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، فَذَهَبَ لِزِيَارَةِ شَيْخِهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ مِنْ قُدُومِهِ مِنْ حَجِّهِ وَزِيَارَتِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَيْهِ، فَكَانَ t يُلْقِي الأُمُورَ المُشْكِلَةَ عَلَى سَيِّدِنَا، وَيَطْلُبُ مِنْهُ حَلَّ إِشْكَالِهَا مِنْ عُلُومِ سَيِّدِنَا، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَتْ عُلُومُ سَيِّدِنَا الغَزِيرَةُ، وَأَحْدَقَتْ بِهِ عُلَمَاءُ مِصْرٍ لإِفَادَتِهِمْ مِنْ عُلُومِهِ العَزِيزَةِ، ثُمَّ عِنْدَ انْتِقَالِهِ لِلْمَغْرِبِ أَذِنَ لَهُ شَيْخُهُ الشَّيْخُ مَحْمُودُ المَذْكُورُ فِي طَرِيقَتِهِ الخَلُّوتِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ بِهَا، فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَقِّنِ النَّاسَ وَالضَّمَانُ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَكَتَبَ لَهُ الإِجَازَةَ وَسَنَدَ الطَّرِيقِ، وَلْنَذْكُرْ سَنَدَهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَأَقُولُ وَبِاللهِ الإِعَانَةُ وَالمَدَدُ وَالتَّوْفِيقُ، كَمَا قَالَ t: لَقَّنَ رَبُّ العِزَّةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَهُوَ لَقَّنَ النَّبِيَّ y، وَهُوَ لَقَّنَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وَهُوَ لَقَّنَ ابْنَهُ الحَسَنَ وَالحَسَنَ البَصْرِي وَجَمِيلَ بْنَ زِيَادٍ، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ لَقَّنَ حَبِيباً العَجَمِي، وَهُوَ لَقَّنَ دَاوُودَ الطَّائِي، وَهُوَ لَقَّنَ مَعْرُوفاً بْنَ فَيْرُوزٍ الكَرْخِي، وَهُوَ لَقَّنَ السَّرِيَّ بْنَ المُغَلَّسِ السَّقَطِي، وَهُوَ لَقَّنَ الجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ سَيِّدَ الطَّائِفَةِ البَغْدَادِيَةِ، وَهُوَ لَقَّنَ مُحَمَّداً البَكْرِي، وَهُوَ لَقَّنَ وَجِيهَ الدِّينِ القَاضِي، وَهُوَ لَقَّنَ عُمَرَ البَكْرِي، وَهُوَ لَقَّنَ أَبَا النَّجِيبِ السَّهْرَوَرْدِي، وَهُوَ لَقَّنَ قُطْبَ الدِّينِ الأَبْهَرِي، وَهُوَ لَقَّنَ رُكْنَ الدِّينِ السَّنْجَانِي، وَهُوَ لَقَّنَ شِهَابَ الدِّينِ مُحَمَّدَ الشِّيرَازِيُّ، وَهُوَ لَقَّنَ [سَيِّدِي] جَمَالَ الدِّينِ التَّبْرِيزِي، وَهُوَ لَقَّنَ إِبْرَاهِيمَ الزَّاهِدَ الكِيلاَنِي، وَهُوَ لَقَّنَ مُحَمَّدَ الخَلْوَتِي، وَهُوَ لَقَّنَ عُمَرَ الخَلْوَتِي، وَهُوَ لَقَّنَ مُحَمَّدَ أُمُّ أَبْرَمَ الخَلْوَتِي، وَهُوَ لَقَّنَ الحَاجَّ عِزَّ الدِّينِ، وَهُوَ لَقَّنَ صَدْرَ الدِّينِ الجِيَانِي، وَهُوَ لَقَّنَ سَيِّدِي يَحْيَى البَاكُوبِي، وَهُوَ لَقَّنَ مُحَمَّدَ بْنَ بَهَاءِ الدِّينِ الشَّرْوَانِي، وَهُوَ لَقَّنَ جَلَبِي سُلْطَانَ المُقَدَّسَ الشَّهِيرَ بِجَمَالِ الخَلْوَتِي، وَهُوَ لَقَّنَ خَيْرَ الدِّينِ النَّقَّادِيُّ، وَهُوَ لَقَّنَ الشَّيْخَ شَعْبَانَ القَسْطَمُونِي، وَهُوَ لَقَّنَ مُحْيِي الدِّينِ القَسْطَمُونِي، وَهُوَ لَقَّنَ سَيِّدِي عُمَرَ الفُؤَادِي، وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ الشَّيْخَ إِسْمَاعِيلَ الجُرْمِي المَدْفُونَ بِالقُرْبِ مِنْ مَرْقَدِ سَيِّدِي بِلاَلٍ الحَبَشِي t بِدِيَارِ الشَّامِ، وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ الشَّيْخَ عَلِي أَفَنْدِي قَرَا بَاشَا، وَتَخَلَّفَ عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى الطَّبِيبِي، أَيْ هُوَ الذِي أَجَازَهُ بِالإِرْشَادِ، وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ الشَّيْخَ مُصْطَفَى أَفَانْدِي الأَدْنَوِي وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّطِيفِ الخَلْوَتِي الحَلَبِي وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ قُطْبَ الوُجُودِ السَّيِّدَ مُصْطَفَى بْنَ كَمَالِ الدِّينِ الصِّدِّيقِي، وَهُوَ لَقَّنَ وَأَرْشَدَ الشَّيْخَ الحَفَنِي، وَهُوَ لَقَّنَ الشَّيْخَ مَحْمُودَ الكُرْدِي، وَهُوَ لَقَّنَ قُطْبَ زَمَانِهِ، فَرِيدَ عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ، شَيْخَنَا وَقُدْوَتَنَا إِلَى اللهِ، مَوْلاَنَا أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ مَحَمَّدٍ التِّجَانِي، وَهُوَ لَقَّنَ أَبَا عَبْدِ اللهِ الشَّرِيفَ مُحَمَّدَ بِنَ مُحَمَّدٍ بْنِ المَشْرِي السَّائِحِيُّ، وَلَقَّنَ العَبْدَ الفَقِيرَ إِلَى مَوْلاَهُ الغَنِيِّ الحَمِيدِ، جَامِعَ هَذَا الكِتَابِ المَجِيدِ، أَدْرَجَنَا اللهُ فِي سِلْكِهِمْ، وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، وَأَدْخَلَنَا مَدْخَلَهُمْ، وَأَحَلَّنَا مَحَلَّهُمْ. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ         إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ     
فَلَّمَا وَدَّعَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى نَاحِيَةِ تُونُسَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا بِالسَّلاَمَةِ وَالعَافِيَةِ، فَانْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى تِلِمْسَانَ، وَأَقَامَ بِهَا مُجْتَهِداً فِي العِبَادَةِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى مَدِينَةِ فَاسَ، بِقَصْدِ زِيَارَةِ مَوْلاَنَا إِدْرِيسَ، سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، وَفِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ المُبَارَكَةِ، لاَقَيْتُهُ t بِمَدِينَةِ وَجْدَةَ، قَافِلاً لِفَاسَ، فَقَفَلْتُ مَعَهُ، وَتَعَرَّفَ لِي، وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ قَبْلَ هَذَا الوَقْتِ بِعَامَيْنِ رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى صُحْبَتِهِ وَالأَخْذِ عَنْهُ، فَبَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ تَعَرَّفَ لِي، وَذَكَرَ لِي الرُّؤْيَةَ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ كُنْتُ نَسِيتُهَا، وَقَالَ لِي: أَمَا تَخَافُ مِنَ اللهِ تُتْعِبُنِي مِنْ مَكَانِي إِلَيْكَ؟ فَلاَ حَاجَةَ لِي إِلاَّ مُلاَقَاتُكَ، فَاحْمَدِ اللهَ عَلَى ذَلِكَ، فَحَمِدْتُ اللهَ وَشَكَرْتُهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ تَفَضَّلَ عَلَيَّ، وَأَنَّهُ هُوَ الكَفِيلُ لِي وَالمُتَوَلِّي أُمُورِي بِتَصْرِيحٍ مِنْهُ t، فَأَخْبَرَنِي بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الفَتْحِ وَالتَّمْكِينِ، فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى فَاسَ، أَقَامَ بِهَا مُدَّةً بِقَصْدِ زِيَارَةِ مَوْلاَنَا إِدْرِيسَ، فَلَقَّنَنِي الطَّرِيقَةَ الخَلْوَتِيَّةَ، وَأَسْرَاراً وَعُلُوماً، وَرَجَعَ إِلَى تِلِمْسَانَ، وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ تِلِمْسَانَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، لأَنَّ حَالَهُ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهَا، وَضَاقَتْ نَفْسُهُ، فَوَدَّعْتُهُ، وَقَالَ لِي: اِلْزَمِ العَهْدَ وَالمَحَبَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ الفَتْحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى تِلِمْسَانَ، أَقَامَ بِهَا مُدَّةً وَارْتَحَلَ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّحْرَاءِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، وَنَزَلَ بِقَرْيَةِ القُطْبِ الكَبِيرِ، سَيِّدِي أَبِي سَمْغُونَ.
ثُمَّ سَافَرَ مِنْهَا إِلَى بِلاَدِ تُوَاتْ بِقَصْدِ الزِّيَارَةِ، فَلَقِيَ بَعْضَ الأَوْلِيَاءِ بِهَا، وَأَخَذَ عَنْهُمْ بَعْضَ الأُمُورِ الخَاصَّةِ، وَاسْتَفَادُوا مِنْهُ عُلُوماً وَأَسْرَاراً فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَرْيَةِ أَبِي سَمْغُونَ، وَأَقَامَ بِهَا وَاسْتَوْطَنَ، وَفِيهَا وَقَعَ لَهُ الفَتْحُ، وَأَذِنَ لَهُ y فِي تَلْقِينِ الخَلْقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَارّاً مِنْ مُلاَقَاةِ الخَلْقِ لاعْتِنَائِهِ بِنَفْسِهِ، وَعَدَمِ ادِّعَاءِ المَشْيَخَةِ إِلَى أَنْ وَقَعَ لَهُ الإِذْنُ مِنْهُ يَقَظَةً لاَ مَنَاماً بِتَرْبِيَةِ الخَلْقِ عَلَى العُمُومِ وَالإِطْلاَقِ، وَعَيَّنَ لَهُ الوِرْدَ الذِي يُلَقِّنُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ، عَيَّنَ لَهُ y الاسْتِغْفَارَ وَالصَّلاَةَ عَلَيْهِ y، وَهَذَا كَانَ هُوَ الوِرْدُ فِي تِلْكَ المُدَّةِ إِلَى رَأْسِ المِائَةِ، كَمَّلَ لَهُ الوِرْدَ y بِكَلِمَةِ الإِخْلاَصِ، فَعِنْدَ هَذَا تَنَزَّلَ لِلخَلْقِ وَالإِفَادَةِ وَإِظْهَارِ الطَّرِيقَةِ وَالاسْتِفَادَةِ وَهَذَا بَعْدَ إِخْبَارِهِ لَهُ بِعُلُوِّ مَقَامِهِ وَارْتِفَاعِ قَدْرِهِ وَمَكَانِهِ.
وَأَخْبَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِفَضْلِ هَذَا الوِرْدِ وَقَدْرِهِ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِمَنْ أَحَبَّهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَحِزْبِهِ،


جواهر المعاني
الصفحة: 63 ـ 70
نسخة المشيخة التجانية المحققة

رحلة الحج في صور