ترجمة سيدي أحمد التجاني في أعلام المغرب العربي

هذه ترجمة الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه كما جاء في أعلام المغرب العربي، كتبه عبد الوهاب بن منصور عضو أكاديمية المملكة المغربية.

 

أحمد بن محمد التجاني، شيخ مربي جزائري مغربي شهير مؤسس أكبر طريقة صوفية في غرب العالم الاسلامي خلال العشر الأوائل من القرن الثالث عشر الهجري.

تنسب أمه السيدة عائشة السنوسية الى عشيرة تجان التي توجد مساكنها قرب قرية عين ماضي بصحراء الجزائر كان أحد جدودها نزح إليها من ناحية آسفي بالمغرب الأقصى واستقر بين ظهراني أهلها وتزوج منهم وأنجب الأولاد، ومن تم جاءت نسبته من جهة أبيه، مريديه جعلوا صلة بينه وبين آل بيت النبوة المحمدي. وذكر مؤرخو سيرته أن الشيخ لم يكن يعير اهتماما لصحة هذا النسب أو عدمه، حتى تأكد من صحته عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جهرة وقال له "أنت ولدي حقا ونسبك إلى الحسن بن علي صحيح".


ولد الشيخ أحمد التجاني عام 1150هـ بقرية عين ماضي التي كانت بها يومئذ صبابة من علم، ونشأ في بيت والده مَحمد بن المختار الذي كان من خيرة فقهائها وبها حفظ القرآن وتلقى مبادىء العلوم الدينية واللغوية، ولما بلغ الحادية والعشرين من عمره رحل إلى المغرب للقاء شيوخ التصوف به والأخذ عن علماء جامع القرويين بفاس، ويظهر أن اهتمامه في هذه الرحلة بالجانب الصوفي كان أكثر من اهتمامه بالجانب العلمي لأن عدد العلماء الذين يذكر بالنسبة لعدد شيوخ التصوف ومنتحلي الولاية والصلاح الذين لقيهم بها وبتازة ووزان وجبل الزبيب كأحمد الطواش التازي وأحمد الصقلي الفاسي وأحمد عبد الله التزاني والطيب بن محمد اليملحي الوزاني ومحمد بن الحسن الونجلي والعربي بن عبد الله معن الأندلسي ومتصوفة آخرين تعرف منهم على أوراد الطرق الخلوتية والناصرية والصديقية والقادرية.


ولما قضى وطره من لقاء علماء المغرب ومتصوفته وزيارة الأحياء من أوليائه والأموات، رحل عنه سنة 1181هـ بإشارة من شيخه الونجلي وقصد بلدة الأبيض حيث زاوية الشيخ عبد القادر بن محمد بوسماحة المعروف بسيدي الشيخ، فاعتكف بها خمس سنوات ثم انتقل منها عام 1186هـ (1772م) إلى تلمسان فألقى بها دروسا واجتمع بفقهاء ومربين، ومنها توجه في نفس العام إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مارا بالجزائر وتونس ومصر مجتمعا في كل بلد مر به مع أكابر فقهائه ومتصوفيه الذين ذكر أن كثيرين منهم بشروه بارتقائه أعلا الدرجات في سلم الولاية والتربية.


وبعد أن حج انقلب راجعا إلى المغرب مع ركب الحاج سالكا نفس الطريق الذي سلكه في ذهابه، فوصل تلمسان عام 1188هـ وأقام بها ثلاث سنوات تعرف أثناءها على كاتبه وخازن أسراره محمد بن المشري السباعي السائحي ثم قصد فاس عام 1191هـ لزيارة قبر مؤسسها الإمام إدريس الثاني، وفي طريقه إليها التقى لأول مرة في وجدة بعلي احرازم برادة الذي صار خليفة له فيما بعد، ومن فاس عاد إلى تلمسان فمكث بها إلى أن خرج منها في حدود 1196 هـ خائفا يترقب. وتوجه إلى قرية الشلالة فأقام بها ثلاث سنوات لقيه فيها أو في جهاتها الفقيه محمد بن عبد السلام الناصري المغربي وذكر ذلك في رحلته ثم انتقل بعدها إلى قرية بوصمغون التي ذكر أنه حصل له فيها الفتح الأكبر وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له يقظة لا مناما في تلقين الخلق على العموم والإطلاق وعين له الورد الذي يلقنه.


وأثناء مقامه بالشلالة وبوصمغون وتنقله بينهما وبين القرى المجاورة لهما شاع خبره وخبر ما يدعو إليه، فنسل إليه الناس من كل حدب وصوب للدخول في طريقته والتماس رضاه وبركته فخشي حكام الترك على نفوذهم منه وأخذوا يعدون العدة للقضاء عليه ووأد دعوته المتنامية قبل أن تتحول إلى حركة سياسية تتشوف للحكم وتطمع في السلطان، وكتب الباي عثمان بن محمد بن عثمان باي وهران إلى أهل بوصمغون يأمرهم بإخراجه من ديارهم ويتوعدهم إن لم يفعلوا، فلما أحس الشيخ بالشر يدنو منه قرر الابتعاد عن كل مكان يمكن أن يصل إليه أذى منهم فيه ولم يكن أمامه إلا المغرب الأقصى حيث الأسرة العلوية الشريفة حاكمة والحركة العلمية نامية وأسواق الطرق الصوفية نافقة فسار إليه يجر خلفه أهله وشيعة وأتباعا كثيرين كان عددهم يزداد كلما قطع مرحلة من الطريق حتى ألقى عصى التسيار واستقر به النوى في فاس عاصمة المملكة المغربية يوم 6 ربيع الثاني عام 1213هـ / 17 شتنبر سنة 1798م.


وبمجرد حلوله بفاس كتب إلى السلطان مولاي سليمان كتابا يعلمه فيه أنه هاجر إليه من جور الترك وظلمهم مستجيرا منهم بآل البيت الكريم فلقيت استجارته منه قبولا ثم بدا للسلطان أن يختبره ويتعرف على ما يدعيه. ومعروف عن مولاي سليمان أنه كان شديد الحذر من شيوخ الطرق الصوفية كثير الإنكار لبدعهم ومحدثاتهم وأنه هدم بعض زواياهم وشرد أصحابها، فلما اجتمع بالشيخ التجاني وذاكره أعجبه سمته وحسن تأتيه ولم يجد في دعوته ما ينكره عليه لأنها لا تعدو الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وترديد كلمة الشهادة التي هي الركن الأول من أركان الإسلام فتركه وشأنه بل أكرم نزله وأحسن مثواه ووصله على عادة الملوك بدار المرايا الشهيرة ليسكنها مع أهله ويجتمع فيها بأصحابه ثم أذن له عام 1215 ببناء زاوية بحومة البليدة لما أخبره أن رسول الله صلى الله علية وسلم أمره ببنائها وأمده بما يستعين به على البناء فبناها وصار يجتمع فيها مع مريديه وهي التي أقبر فيها لما انتهى من الحياة أجله وصارت بعده كعبة يحج إليها التجانيون من داخل المغرب وخارجه للترحم والأذكار وقراءة الأوراد.


وذكروا أن السلطان مولاي سليمان كان يحضره بعض المجالس العلمية التي تعقد بحضرته ويتدارس فيها كبار العلماء كالشيخ حمدون ابن الحاج والشيخ الطيب ابن كيران عديدا من المواضيع التفسيرية والحديثية والفقهية، ويقال إنه شارك ذات مرة فيما راج في مجلس من تلك المجالس من جدال وحوار كان موضوعه "سورة الناس" بما دل على سعة اطلاعه وشدة ذكائه فاستحسن السلطان ما تدخل به من تفسير وتأويل.

وكان السلطان يتبادل وإياه رسائل حافظ كتاب سيرته على نصوص بعضها، فمن ذلك رسالة كتبها الشيخ إلى السلطان يحسن بالمطالع أن يتأمل معانيها ومراميها ويزن ما فيها بقسطاس الدين المستقيم والعقل السليم القويم وهي:


بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي المصطفى الكريم


المقام الذي يجب تعظيمه واحترامه والسيد الذي هو غاية المجد والكرم وتمامه، والسيد الذي هو ذورة العز وسنامه سيدنا الشريف الأصيل ذو الشرف الباذج الثابت الأثيل حلو الشمائل كريم الأخلاق والفضائل بدر التمام حامي حمى الإسلام، رافع راية الخلافة الإسلامية الإلهية المتحلي بحلية الملة المحمدية ملاذ الحاضر والبادي أعني بذلك سيدنا ومولانا أمير المؤمنين سيدنا سليمان بن محمد نصره الله نصرا عزيزا وأعلى في أوج السعادة الأبدية شمسه وأدام في روض نزهات المواهب الإلهية أنسه.

سيدنا:

نسأل الله عز وجل أن يكتبك في ديوان أهل السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة وأن يجعل سبحانه نظره فيك بعين عنايته بك ومحبته لك واختصاصه لك بمواهبه ونصرته لك وتأييده لك بعزه وحمايته لك في الدنيا والآخرة ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يجعل يوم قدومك عليه ولقاءك له يوم عيد وفرح وسرور وتكريم وحبور، ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يعاملك بفضله ورضاه عنك في الدنيا والآخرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل جنوده نصرة لك حافة بك من كل جهاتك أينما توجهت وأن يصلح بك العباد والبلاد وأن يشد بك أركان الإيمان والدين وأين يفيض بك الخير والأمان على جماعة المسلمين وأن يكون لك وليا ونصيرا ومعينا وحافظا وظهيرا ونسأل منه سبحانه وتعالى أن يقلب قلبك في مراقبته حتى تصير جوارحك متصرفة في أغلب أوقاتها في خدمته.

وأوصي سيدنا بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وأعظه بما وعظه الله به، قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) إلى قوله: (الفائزون) وقوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) إلى: (عظيما).

وقوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) إلى قوله: (يظلمون) وقوله تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) وقوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما) إلى قوله الغرور ولك في تدبر آيات الله واعظ واعتبار وهداية واستبصار فأطعم نفسك من أدويته بالثبات والاصطبار فإنه من الأدوية على من أدمن متابعة هواه بالتوالي والإدبار.

وأقول السلام على سيدنا ورحمة الله وعلى من انتظم في سلك عقده من أهل وخادم ورقيق، وصاحب وحميم صديق، من كاتبه إليك العبد الفقير إلى الله أحمد بن محمد التجاني عامله الله بفضله دنيا وأخرى، إنه ورد علي أمر عازم من سيد الوجود بحر الكرم والجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال لي ما هذا قوله: أكتب كتابا لولدنا سليمان بن محمد أمير المومنين وقل له ليس على وجه الأرض أكبر قدرا ولا أعظم خطرا من وردي الذي أمليته عليك، فقل له يتلوه فبذكره إياه يصلح الله له عاقبة أمره في دنياه وأخراه. وقل له ليس على وجه الأرض أعظم قدرا ولا أعظم خطرا من دعائي الذي أمليته على علي بن أبي طالب المسمى بالسيفي فبقراءته يدفع الله عنه البلايا الظاهرة والباطنة ويجلب له خير دنياه وأخراه، وعلمه الاستخارة التي علمتها لك وكذلك قراءة الفاتحة سبعا بنية الاسم دبر الصلوات، ولا يخل نفسه من الصلاة علي بصلاة الفاتح لما أغلق قدر طاقته فإن المداوم على هذا يصلح الله له أموره الظاهرة والباطنة، وعلمه بعض فضل الفاتح لما أغلق قدر الطاقة، انتهى نص قوله صلى الله عليه وسلم الذي أمرت بتبليغه إليك.

وليكن في كريم علمك أن حالتي معه صلى الله عليه وسلم بمنزلة خادم الملك الجالس في حضرته بالصمت والأدب، ولا يطلب أمرا ولا يلم من عند الملك بشيء، وإنما هو إذا أمر الملك بأمر بادر وامتثل وإلا فهو جالس في حضرة الملك بالأدب والصمت، ولا أقدر أن أطلب منه شيئا ولا أن أسأله عن شيء ولا أتوجه إليه في شيء إلا إذا أمرني بفعل شيء امتثلت وقد زجرني وأدبني عن الطلب والسؤال منذ سنين.

وأما الورد الذي أملاه علي صلى الله عليه وسلم وأمرني أن ألقنه الناس فهو: أستغفر الله مئة، وصلاة الفاتح لما أغلق مئة، ولا إله إلا الله مئة، تذكرها مرة صباحا ومرة مساء، فالصباح من صلاة الصبح إلى الضحى والمساء من صلاة العصر إلى العشاء، وأخبرني سابقا أن من داوم على هذا الورد أدخله الله الجنة وأبويه وأزواجه وأولاده بلا حساب ولا عقاب ولا يحل به عذاب من ساعة موته الى المستقر في الجنة.

وأما الكلام على الفاتح لما أغلق وعلى الفاتحة بنية الاسم والسيفي والاستخارة فسأجرده لك وحده في كتاب آخر وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


ويظهر أن السلطان مولاي سليمان كان يرتاب فيما كان يدعيه الشيخ التجاني من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم جهرة ومجالسته يقظة ولا مناما فأراد اختباره وامتحانه وصار يطلب منه أن يريه الرسول عليه السلام ويجمعه به، ويكرر الطلب والشيخ يتلكأ متعللا بعدم قدرة السلطان على ذلك فلما كثر إلحاح السلطان لم يسعه الا أن يستجيب ورتب له مجلسا للقاء الرسول شبيها بمجالس استحضار الأرواح واستخراج الكنوز من باطن الأرض واستخلاصها من أيدي الجن بإقليم سوس، أنقل وصفه باللفظ كما ورد في ترجمة السلطان مولاي سليمان من كتاب (كشف الحجاب) تأليف القاضي أحمد سكيرج أكبر دعاة الطريقة التجانية في القرن الماضي وهو:

وقد بلغني على لسان الثقة أنه (أي السلطان مولاي سليمان) كان كثيرا ما يطلب من الشيخ رضي الله عنه أن يريه النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وسيدنا (أي الشيخ أحمد التجاني) رضي الله عنه يقول له: أخاف عليك أن لا تقدر على ذلك وهو حريص على ذلك ومقصود صاحب الترجمة بذلك أمران:


- أولهما - وهو الأهم عنده - أن يسمع منه بأنه من أولاده الحقيقيين كما أخبره بذلك سيدنا رضي الله عنه.

- والثاني أن يتيقن بأن جميع ما يخبر به سيدنا رضي الله عنه حق لا ريب فيه فتطمئن نفسه بذلك فلا يلتفت بعد ذلك لقول أعاديه، فلما اشتد طلبه لذلك من سيدنا رضي الله عنه ولم تفد في رده عن هذا الطلب حيلة، أجابه سيدنا رضي الله عنه لبغيته وأوصاه أن يكتم سره عن كل أحد ويجعل محلا طاهرا طيبا فارغا من جميع الأمور من فرش وغيره يعده مخصوصا لذلك وأن يكون وحده في ذلك الموضع فاستعمل ذلك كله ولما أراد الدخول إلى ذلك المحل حصلت له هيبة عظيمة لم يقدر على الجلوس به وحده لذكر ما لقنه من الأذكار الخصوصية لذلك فلم يكمل العمل من كثرة ما حصل له من الدهش، وسمعت من بعض الإخوان أنه طلب من سيدنا رضي الله عنه الحضور معه بنفسه لذلك، فأجابه لمرغوبه وحضر معه في ذلك المحل فبينما هما يذكران إذ أشرق المحل الذي هما فيه وامتلأ بالأنوار المحمدية صلى الله عليه وسلم فحصل الدهش لصاحب الترجمة (يعني السلطان مولاي سليمان) لما رأى ذلك وغاب عن حسه وبعد ساعة أفاق من غيبته فوجد يد سيدنا رضي الله عنه على صدره فلما فتح عينيه قال له سيدنا رضي الله عنه: لا بأس عليك وإنه صلى الله عليه وسلم ضمن لك كذا وكذا فقال له صاحب الترجمة: جزاك الله عنا خيرا، ولقد قلت له لا أقدر على ذلك وأنا أتهم نفسي حتى رأيت ذلك بالعيان!


وخلال إقامته بفاس التي استمرت سبعة عشر عاما متواصلة كان الشيخ أحمد التجاني يعظ الناس بزاويته ويلقي دروسا للعامة بمسجد الديوان ومساجد أخرى قريبة منها ويخرج أحيانا بمريده للنزهة إلى ضفاف نهر سبو خارج أسوار المدينة حيث البساتين والمروج والأماكن الخلوية الجميلة، فيلتف الجميع حوله لقراءة أوراده وسماع وصاياه ونصائحه فطارت شهرته وبنيت زواياه فى عديد من الجهات وكثر مريدوه الذين منهم فقهاء وعلماء مشهورين مثل أبي القاسم بصري المكناسي وأحمد بن محمد بناني وأحمد دبيزة العلوي والزكي المدغري والعباس بن كيران، ولا شك في أن سبب الإقبال الذي لقيه هو تعاطف السلطان مولاي سليمان معه ودخول عدد من رجال المخزن في طريقته وأيضا جهل الناس وغفلتهم وميلهم الى تصديق كل صاحب دعوى خصوصا إذا أتت من رجل يذكر لهم أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويصلي مع الأنبياء والرسل مأمومين به خلفه ويبلغ عنه إلى الخلق على الإطلاق ما يأمر به أو لم يكن شعارهم في ذالك الوقت: سلم تسلم، بل سلم للخاوي تنج من العامر!


لم يترك الشيخ التجاني مؤلفات كتبها بنفسه أو دواوين تضم أشعارا من نظمه، ولكن مؤلفات مريديه تذكر له نصائح ووصايا وفتاوي فقهية تخالف ما جرى به عمل بعض فقهاء فاس كتحريمه تدخين التبغ ( طابا ) وأخذ الأجرة على أعمال البر كالآذان والإمامة والشهادة وتدريس العلم والفتوى وإعطاء الزكاة لأهل البيت النبوي كما انتقد أيضا كثيرا من عادات المجتمع التي يرى أنها تتنافى مع قواعد الدين وسنن النبي عليه السلام، وكان يحض أتباعه على العمل لأن التصوف في نظره ليس بطالة ولا توكلا وكسلا، كما لم يكن يستسيغ أن يلبسوا المرقعات والملابس الخشنة لما فيها من التظاهر والادعاء وإعلان الفقر وسؤال الناس ونزول بالكرامة وإهدار للعزة، والإسلام دين يقوم على العزة والكرامة والعمل.


كما أورد مريدوه فيما كتبوا عنه وعن طريقته من مؤلفات عديدا من القصائد والمقطوعات الشعرية التي فيها أنفاس صوفية ولكنها لا تخرج عن طريقة الفقهاء والمتصوفة في قرض الشعر، فمن ذلك قوله معبرا عن لواعج الشوق التي كانت تتأجج في صدره:


ألا ليت شعري هـل أفـوز بسـكـــرة    من الحب تحيـي منـي كـل رمـيمـة

وهل لذرى الإحسان ترقى عوالمـي    وهـل تتجلـى الـذات فيهـا لفكـرتــي

وهـل لـي بغيـب الغيــب بالله غيبــة    تغيـب كلــي عـن جميــع الخلـيقـــة

وهـل نفحـات القـرب فضلا تعمنــي    وقـد هـدمـت منـي رسـوم الطبيعـة

وهـل جـذبــات بـالتـجـلـي تــؤمنــي    فتسلـبنـي عـن كـل كلـي وجمـلتــي

وهل واردات الوصل مني تزف لي    لكـي أرتقـي العليـاء مـن كـل رتبـة

وهـل أردن بحـر الشهـود فيشـتفــي    غليلي بغوصي فيه فـي كـل لمـحـة

وهل تطلعن شمس المعارف جهرة    بباطــن قلبــي والهــدى لــي زفــت

وهل أرتقي عرش الحقائق واصـلا    إلــى الله محفـوفــا بكــل كـــريمـــة

وهـل حـلـة التوحيــد ألبسـهـا وقـــد    تمكــن سـري مـن بسـاط الحقـيقــة

وهـل لـي بجـمع الجمع بالله وصلة    وقد طلعت شمس الوصول بقـبلتـي

وهـل وابــل العلــم اللـدنـي هاطــل    إلــي ويبقــى دائمــا كـــل لحــظــة

وهـل أملــي مـن هذه بالـغ المــدى    فيــا حبــذا أم لا بـلـــوغ لمنيـتـــــي

وهـل تجمع الأيـام شملـي ببغـيتــي    ونيـل مـرادي أم أموت بحسرتــي؟


ومنه قوله في مجال الحزم والاجتهاد بعد اطلاعه على قول القائل:


كــل مـن قـلل أنجـــالــه    كان من الـزلات أنجـى لــه

كــل مـن قـلل أقـــوالـــه    كان من الطاعـة أقـوى لــه

كــل مـن أهمل أفعــالــه    أوشك أن ترجــع أفعـى لــه


قال:

كــل مـن راقب أحوالــه    كان لدى الخيرات أحوى له

كــل مـن لم يرع أعماله    كان عن الإرشاد أعمـى لـه

كــل مـن بـايـن أعـلالـه    كان عن الخسران أعلى لـه

كــل مـن باعـد أغـلالـه    كان لرفــع القـدر أغلــى لـه

كــل مـن فـارق أوحـاله    فـوارد الخيـرات أوحــى لـه


وقد حظي الشيخ التجاني بمدح وتمجيد مريديه والمعجبين به من الشعراء والكتاب - وما أكثرهم في أرجاء الأرض - فمدحوه بعديد من المقالات وآلاف من القصائد التي تتفاوت جودة ولكنها تعبر عن أحر العواطف وأصدق المشاعر نحوه مما لو جمعت لطلع منها ديوان كبير ذو أسفار عديدة تضم بين دفاتها نوعا متميزا من المديح الصوفي، وإذا كان بعض تلك القصائد لا يخلو من غلو وإطراء في حق الشيخ نهى رسول الله أصحابه عن إطرائه بمثلهما في حقه عليه السلام فإنها من الوجهة الأدبية تمثل ثروة يحسن بالأدباء والطلبة أن يدرسوها ويحللوها بعناية ويجعلوا منها أطاريح تناقش في قاعات المعاهد والكليات.

وأرى لزاما - وقد لفتت النظر إليها - أن أشير إلى بعضها تكميلا للفائدة فمنها قصيدة للطالب بن العربي اللبار آتي الترجمة مطلعها:

صاحي أرى الدهر مستوفي بإسعاد    وحبـــذا وصـــل إمــــداد بـإمـــــداد

بشــرى فـؤادي فقـد وافتــك أمنـيــة    من بعـد يـأس بـلا ارتقــاء ميـعـــاد

وأخرى طويلة له أيضا مطلعها:


طيف ألـم علـى وجـد بنـا سحـرا    ألبابنا في الكرى لما سرا سحرا

أفــاد بـارقــــه والدجــو معتـكــر    ما لم يفده الضيا اذ لاح مبتكـرا

 

ومنها قصيدة للشاعر الأديب محمد بن المختار الشنجيطي مطلعها:


أنسـمــة ورد أم خــــزام تبــــددا    أم الروح من تلك المعاهد قـد بـدا

أم العارض الهطــال لاح بطلــه    على صفحات النور دار ومسجدا



ومنها قصيدة للشاعر السوداني إبراهيم تلبيب مطلعها:

لـــم تطيـب بذكركــم أحيـانـي    ونسيمكــم لمـا ســرى أحيانـي

يا سادة شرفت بهـم عشاقهــم    وتـرفعــوا عــن ذلــة وهــوان

لما نسبت إلى حماكم جاءنـي    متنصـلا ممــا جنــاه زمـانــي


ومنها قصيدة للسلطان عبد الحفيظ بن الحسن العلوي يذكر فيها توبته من الحملة على الطريقة التجانية وانتقاد مؤسسها وهي:


ألا هـل يلــذ النــوم والربــع شــاســـع    وهل عن لقاء الحب يغنـي التواضـع

وهل مـن مــلام ينـثـــر الجـفـــن دره    إذا هيجت ما فـي القلــوب الفظــائــع

وحــرك حـب القلـب وجـــد تـزايــدت    حــرارتـه ممــا حـوتـــه الأضـالــــع

وقد سـل سيـف البغـي دهـر وشمـرت    حـوادثـه مــا الجفــن منهــن هـاجــع

وبادت رسوم القلــب بالهجــر والعنــا    وللجسـم حكــم القلـب إذ هــو تـابـــع

ألا فلـتــــدع لـــــوم المتـيـــــــم بــــــه    يصـادم هــولا همــه القلـــب قـاطــع

أما كـان يكفـي ذا النحـول الذي سجـا    ووجـه كئيـب أصفــر اللــون فاقــــع

يـــرى فوقــه للخطــب رقــــم أشعـــة    يرى الرمز منها من دهته الزعازع

فطـــورا أهيـــم فـــي الفـــلاة وتـــارة    تناجيـك بالأحـزان عنـه الضـواجــع

ســأنــدب رفعــا للأحـبــة مــن صـفـا    به العيــش لمـا ساعدتنـي الصنـائــع

ومن كان مأوى الروح والجسم عندما    سقتـــه مـــزون وبلـهــــا متتــابـــــع

فعــاوده شــرخ الشبــاب ومـــا عفــــا    وريئـت وراء الستــر تلــك الـودائــع

حــلاه وإن شـــط الربيــــع أزاهــــــر    فمنـظـــره يغنـــي ومـــاءه نــافــــــع

جميــع قـرى الدنيــا فــداه وإن علــت    سوى الحرمين وهـي عنـدي بـلاقــع

فللـــه مــا أشهــى زمـان وصــالهـــم    أشــارت إليــه بالمعــانـي الأصـابــع

ولله مــا أحلــــى شمــائـــــل جـمـــــة   نسيــم شذاهــا فـي المحـافــل ذائــــع

لحـا الله دهــرا إذ قضــى بفــراقـهـــم    وعظم في شـرع النوى من يصـانـع

فلــولا وشــاة فـي الأنــام مجــونهـــا    قضــى بفطـام مـن قلـتـه المـراضــع

لما كــان نــأي الخـد عنــي ولا بـــدا    وجــود لنســج أحكمـتـــه الصنــائــع

ولا كــان منــي الالتفــات لغيــرهـــم    ولا ند عمري في الصبا وهو ضائع

لأنــي قـد أسـلمـــت وجهـــي للــــذي    أنـا لرضــاه يــا ابنــة العــم ضـارع

ومــن حصنــه للقاصـديــن وقـايـــــة    ومـن سـره يعطيـك مـا أنـت طامــع

ومــن هــديــه عــم الأنــام سـنـــــاءه    ففــي كـل قلــب مخـلـص فهـو لامـع

أريد به ختــم الرجــال الــذي سـمـــا    على الكون طرا دون خصم ينـازع