رسالة الشيخ إلى: سيدي محمد بن عبد الله الجيلاني

إلى أخي في الله وعدتي، ومقيل من الردى عَثْرتي، الجامع الأكبر، المحقق الأشهر، السيد محمد بن عبد الله الجيلاني، متع الله روحك في الهنا، وأدام بقاءك وارتقاءك لأحسن الحسنى، وحياك بما حيى به أحباءه وأولياءه، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أما بعد،

فإنه بلغني أن القوم استضعفوني ورموني بما الله أعلم به منهم، فوقع في قلبي شيء، وقلت في نفسي: الله الله ما كنت أظن ولا أشك أن تُبدى مساوي بمحضرك وتسكت، لم تجب عني بما حضر وخطر وتتأنق في الجواب، وترتقي فيه رقى العلا، فليت شعري هل ضربت عما سلف صفحا، أو علمت أن ما قيل فينا حقا، أو قصرت عن الجواب، أو حدثتك نفسك بحديث المفترين، أو طمس الله بصيرتك التي كانت في العلم نائرة، وفي اليقين باهرة ؟! فناشدتك الله أن تخبرني بما قيل. وإن كان لم يفت الكلام عن المسألة، فحرك الساكن واجمع ما جمع الله لك، وألقه عليهم.

واعلم أنهم لو سألوني وقالوا لي من أين لك هذا؟ لقت: من عند الله، فإن قيل لي: أبوحي أو برؤية أو بهاتف؟ لقلت: دُفعت في ابتداء أمري إلى الحضرة الربانية دفعة واحدة منذ أنا يافع، فصار أولي آخري، وآخري أولي، وبعضي كلي، وكلي جزئي، فكنت أنا هو من حيث أنا لا من حيث هو. وحينئذ لو سُئلت عن ألف ألف مسألة من أهم المسائل لأجبت عنها بجواب واحد، إذ صرت كالمصباح، فلو شُعِلتْ مني جميع المصابيح ما نقصت من ضوئي شيئا ولله الحمد.

وهذا السر المكتوم أوله، الظاهر آخره، إنما وقع لي بمحروسة فاس حين كنا نقرأ على الدقاق في السبع، وعلى الشيخ الجمال في تعليم الاسم وسر الحرف، وعلى الشيخ السجلماسي في صغرى السنوسي. وكنتَ ذات يوم -وهو يوم الإثنين- سألتني ونحن بالجامع تلقاء الأسطوانة التي يجلس إليها الدقاق عن حالي، فقلت لي: ما لي أراك تقلّبَت أحوالك، وصرت لا تجالسنا ولا تحسن مذاكرتنا؟ فقلت لك: يا أخي الله أعلم بحالي. فوضعت يدك على قلبي فأحسستَ له خفقانا يشبه ارتعاد الورقة عند عاصف الرياح، فقلت لي: أتجد لهذا ألما؟ فقلت لك: لا، فقلت لي: هذا شيء ستخشى عواقبه، أو ترجى مواهبه.

ففي ذلك اليوم وأنا بذلك المكان، قبل مجيئك، هتف بي هاتف: أيا أحمد لقد بلغت المنى. فاستعذت بالله وقرأت ما يسر الله من القرآن. ثم سمعت صوتا وكلاما يُتوقع من جميع أعضائي ومن كل ناحية، ثم نظرت إلى السماء فوقع بصري على اسمي مكتوبا في عالم الملكوت العلوي وبإزائه: أيا أحمد قد بلغت المنى، فحدث ولا حرج. ثم نظرت إلى الأرض يمينا وشمالا، وخلفا وأماما، فكذلك. ثم فتح الله بصيرتي في الحال، فرأيت بعيني رأسي الرجل الذي لا يحتمل كلامه الكذب، فدنا مني وأخذ بعضدي الأيمن، وأوقفني ووكزني بيده اليسرى بين ثديي، وقال لي: أنت من أمثال الصحابة فحدث ولا حرج. فوقع في قلبي ذلك الخفقان. وإنه لم يزل إلى الآن.

ثم وقع لي أكثر من هذا حين كنا في زيارة مولانا عبد السلام بن مشيش. مما يطول ذكره، ثم تحقق لي الأمر لما توطنت وسكنت إلى أهلي، فإن كان في هذا ما يوجب الدرك علينا، فإني أقول ﴿وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[1]، وما لهؤلاء القوم لا ينظرون بعين الرضى؟ أمَّا أولا: ففي أنفسهم أفلا يبصرون، وأمَّا ثانيا: ففيما ينبني عليه من الشرائع ثم الحقائق. وهؤلاء عكسوا فانعكسوا، وأتعسوا فتعسوا، وطلبوا فيئسوا، ونقضوا فانتقضوا، أولا يفقهون أن من حفظ حجَّة على من لم يحفظْ؟ أولا يدرون أن سر الله في صِدْق الطلب؟ أولا يعلمون:﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَل ُرِسَالاَتِهِ[2].

هذا وإني أرجو الله أن يجعل خيره فيما ينتج. والجواب منك في أقرب مدة إن شاء الله. وكتبه خادم الطريقة المحمدية أحمد بن سالم التجاني كان الله له وليا ونصيرا.

 


[1]-هود: 88.

[2]- الأنعام: 124.