سؤال حول صحة حديث قدسي والعمل به في مجال الوعظ / عدنان زهار

ورد على السؤال الآتي،وصورته:
بسم الله
ما القول في الوعظ بهذا الحديث ونشره بين الناس لما فيه من تربويات وربط بقدرات الجليل عز وجل:
((يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبدا يا ابن آدم لا تأنس بغيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني وإن أنست بغيرك فتك وفاتك الخير كله يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه فلا تطمع ومن أقل منه فلا تجزع فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك وكنت عندي مذموما يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعي بخلقهن أيعييني رغيف أسوقه لك من غير تعب يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد فإني لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير وبكل شيء محيط)).
وشكرا لكم سيدي الكريم الذي نلجأ إليه في العويصات...


فقلت وعلى الله المعول في التسديد والتأييد:
تقرر في علمي الأثر والأصول أنه لا يجوز رواية الحديث ونسبته إلى الحضرة المحمدية إلا بشروط الصحة أو الحسن، التي عليها المعول في قبول الخبر أو رده، وهي مبنية على شروط خمسة مشتهرة بين الخاص والعام: اتصال السند برواية العدل الضابط من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فإذا اجتمعت هذه الشروط في سند صح وبقي النظر في متنه... وإذا خف ضبط راو  ما في سند ما حُكم على سنده بالحُسن، فإذا تخلف شرط واحد من هذه الشروط الخمسة أو أكثر فالضعف سمته، ولا يعول عليه إن كان في الباب غيره مما هو أمتن منه، فإن لم يوجد قُبل شريطة أن يكون الضعف خفيفا، ويُقدم على القياس والرأي عند جماعة من المحققين، وأما إذا اشتد ضعفه فلا عبرة به ولا رجوع إليه، لا في باب الأحكام ولا في فضائل الأعمال.
أما إذا وُجد في سنده راو كذاب أو متهم بالكذب أو منكر الحديث أو متروك، فإنه لا يحل العمل به ولا اعتقاد نسبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأجمعوا أنه لا يحل أن يروى إلا على سبيل بيان حاله للتحذير من روايته، حتى اتفق لكثير من الحفاظ أن صنفوا في الأحاديث الموضوعة المكذوبة لتتميز للناس ويعرفوا حالها ويحتاطوا في نسبتها للقول المحكم الذي تكلم به النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم. خيفة أن يصدق عليهم الوعيد الشديد، فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه من حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين"،  مع التهديد والترهيب في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، وهو حديث متواتر.
كما أجمع أهل الأثر أن الموضوع لا يسمى حديثا حقيقة ولكن يطلقون عليه لفظ الحديث تجوزا، لأنه مجزوم بكونه ليس بحديث.
أما ما ورد من الأخبار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما لا يوقف لها على إسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا حسن ولا مكذوب، فلذلك شرح الموضوع وأقبح المكذوب، وما كان هذا حاله فهو المسمى عندهم حديثا باطلا أو لا أصل، وحرمة روايته واعتقاد كونه حديثا نبويا تشتد وكراهتها تعظم، وقد اشتهر على ألسنة الناس من ذلك الكثير...
والحديث المذكور في السؤال من هذا القبيل، فهو مما لم يرد بسندٍ ولا وجد في كتاب مسند، وإنما ذكره بعض الصوفية في كتبهم معلقا غير منسوب إلى الحضرة المحمدية، فتوهم بعضهم أنه من كلامها...
ومثل هذا لا يجوز ذكره لا في المواعظ ولا في الترغيب ولا الترغيب ففي الصحيح والحسن والضعيف المنجبر غنية...
ومما يدل على سقوطه ركاكةُ لفظه وظهور تكلف السجع في نظمه، وكلام النبوة عليه نور يدركه أولوا الألباب، ويخفى عن غيرهم.
إيقاظ:قد يعترض بعضهم على السادة الصوفية الأخيارفي إيرادهم أحاديث موضوعة أو باطلة في كتبهم، فيقول: إن هذا يدل على سقوط مذهبهم لبطلان حججهم، والجواب عنه من وجوه:
•    الأول: أن يعلم المعترض أن السادة الصوفية يوردون الحديث الضعيف أو الموضوع، لأسباب، منها:
o    أنه صح عندهم كشفا، وهذه طريقة من طرق التصحيح الخمسة المعروفة وقد عمل بها الكبراء وارتضوها، وأنكرها بعضهم دون بينة قائمة، وقد فصلت في مبحثها في غير هذا التقييد، فاطلبه تجده.
o    أنه قد يعزب عنهم معرفة درجة الحديث لأنهم لم يقفوا على سنده فيحملهم حسن الظن على ذكره في مصنفاتهم، وقد وقع هذا لكبار الحفاظ أهل الصناعة فلا لوم على غيرهم.
o    أنهم قد يذكرون الموضوع تقليدا لا تحقيقا، بحيث يكون المؤلف منهم وقف على هذا الحديث في كتاب بعض أهل الدراية فيقلده في ذكره له، وقد حصل من مثل هذا كثير للحفاظ والمحدثين بله غيرهم.
o    أنهم لا يجزمون بكونه حديثا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يذكرونه على أنه خبر من الأخبار أو أثر من الآثار، وهذه سنة حسنة معمول بها لا عتب على صاحبها، وحديث السؤال من هذا القسم، فقد ذكره الشيخ محيي الدين ابن العربي في "الفتوحات" وقال: وفي بعض الآثار، من غير أن يجزم بكونه كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
•    الوجه الثاني: أن يعلم المعترض أن السادة الصوفية خدام لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن علوم الحديث رواية ودراية لم يكن له ركن ركين إلا بهم وبجهودهم، كما فصلته في غير هذا الجواب، فراجعه...فما يقع لبعضهم من إيراد الضعيف والموضوع لا يحمل على الكل، بل الأغلب عليهم تنقية المرويات وتنقيح الأخبار رضي اللهم عنهم.
•    الوجه الثالث والأخير: أن من أنصف في البحث ووسع النظر وجد أن للصوفية نظرا دقيقافي تنقية الأحاديث ونقد متونها وأسانيدها ولا يحملهم التعصب للجمود على الخطأ والرضا به، كيف وحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دين، والتهاون فيه هوان في الدين، وهم أسياد الثبات على الدين، ومن أمثلة ذلك ما وقفت عليه في كتاب "إتحاف أهل المراتب العرفانية بذكر بعض رجال الطريقة التجانية" لمحدث الطريقة وحافظها العلامة الحافظ شيخ شيوخنا سيدي محمد الحجوجي رضي الله عنه وعنا به آمين، فقد ذكر في ترجمة شيخ الإسلام سيدي إبراهيم الرياحي رضي الله عنه وعنا به آمين، قصة وفاته والكرامة التي وقعت له، فقال ص 529:  "وفي السابع والعشرين من رمضان المعظم عام 1266ه، لبى صاحب الترجمة داعي ربه وصار إلى عفو الله ودار كرامته ورضوانه، وقد نعى نفسه بخطبة خطبها على منبر الجامع الأعظم، وهي آخر خطبة من خطبه، وعُدت كرامة له ونصها: "الحمد لله...الخ لفظ الخطبة الطويلة المشتهرة على الألسنة...
ثم قال العلامة الحجوجي: "فائدة: هذه الخطبة التي هي آخر خطبه صلى الله عليه وآله وسلم، كان قبل هذا بأعوام سألني عنها بعض الفضلاء، هل هي موضوعة أم لا، فأجبته بما نصه: "الحمد لله، اعلم أن الخطبة المشهورة على الألسنة أنها الأخيرة من خطبه صلى الله عليه وآله وسلم، رواها الحارث بن أبي أسامة التميمي في مسنده بسند فيه داوود بن المحبر، قال ابن حجر: متروك، وأصْلُه للدارقطني كما في "الميزان"...
وكذا صرح  جماعة من الحفاظ بوضعه، والعجب كل العجب ممن يختم به مجلسه رجاء أن يعمل الناس به، مع أن زيد بن أسلم قال: من عمل بحديث موضوع
فإنما يخدم الشيطان."اهـ فاعقل ذلك والله يتولى هدانا جميعا، قيده لسائله محمد الحجوجي.
         والحمد لله رب العالمين.