السيرة العطرة لسيدي محمد الكبير بن سيدنا الشيخ التجاني / عبد الله النظيفيين

 

فهذه سيرة عطرة للإبن الأكبر لسيدنا الشيخ رضي الله عنه، تفصح بجلاء عن أن التربية التجانية طاقة خلاقة تحركها يد أبناء سيدنا على يدهم يتخرج المرشدون والمربون من فطاحل هذا الطريق. ونسوق في عجالة دقيق سيرة سيدنا سيدي محمد الكبير بن سيدنا الشيخ رضي الله عنه، ونضاله المستميت ضد الظلم والتعسف والجور والطغيان، إلى أن استشهد مدافعا عن بيت الإسلام وصرحه وحصنه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله

 



 

 

السيرة العطرة

لسيدي محمد الكبير بن سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنهم

إرشاد – جهاد - استشهاد

 

 

الحمد لله الذي قال في كتابه العزيز: "نحن نقص عليك نبأهم بالحق"[1]

والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان واسطة ربه عز وجل في إطلاع الخلق أجمعين, مؤمنهم وكافرهم, طائعهم وعاصيهم عن أخبار ما سلف بالضبط والإتقان من غير ميل أو تحريف.

ورضي الله تعالى عن شيخنا التجاني الذي أرخ في في حياته لأعظم نضال ضد الظلم والجور والطغيان، وذلك برفضه الإستسلام للطغاة المارقين والتجائه إلى الأمن والإستقرار تحت لواء جده المصطفى صلى الله عليه وسلم المبعوث بالسلام.

أما بعد:

أيها السادة التجانيون في كل مكان من هذا الكوكب الأخضر النظر الشاسع الأرجاء.

فهذه سيرة عطرة للإبن الأكبر لسيدنا الشيخ رضي الله عنه، تفصح بجلاء عن أن التربية التجانية طاقة خلاقة تحركها يد أبناء سيدنا على يدهم يتخرج المرشدون والمربون من فطاحل هذا الطريق. ونسوق في عجالة دقيق سيرة سيدنا سيدي محمد الكبير بن سيدنا الشيخ رضي الله عنه، ونضاله المستميت ضد الظلم والتعسف والجور والطغيان، إلى أن استشهد مدافعا عن بيت الإسلام وصرحه وحصنه.

فسيدنا محمد الكبير هو الابن الأكبر لسيدنا الشيخ. أمه هي" الدرة المكنونة واللؤلؤة المصونة السيدة مبروكة ذات الحزم الشديد والرأي السديد... وكان{ سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه} يحبها محبة خاصة لشدة اعتنائها به، لاسيما حين رزقها الله منه الخليفة الأكبر العارف الشهير سيدنا محمد الكبير رضي الله عنه"[2].

ولد رضي الله عنه بعين ماضي وتربى في حضن والديه التربية الدينية المتكاملة تلقينا وممارسة "وبعد سبع سنين أو ثمان أخرجهما {أي سيدي محمد الكبير وسيدي محمد الحبيب} من الدار وأمر أمهما إذا دخلوا الدار كل واحدة تقوم مع ابنها حتى يخرج من الدار"[3].

وقرب وفاته {أي سيدنا الشيخ رضي الله عنه} تزوجا معا[4] " وفي يوم زواجهما قال سيدنا رضي الله عنه لبعض خاصة الخاصة" أحضر أصحابنا غدا إن شاء الله واعقد لمحمد الكبير على فاطمة بنت أخي"[5] و "أمر بإصلاح بيتين من الدار واستعمل قفلين عليهما جيدين وأمر باستعمال صندوق ليستعمل فيه مفاتيح البيتين حين سدهما على ولديه وأزواجهما من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ويفتح عليهما كما هو عادته الكريمة مع خدامه كل يوم... ويقف إلى أن يخرجوا ليصلوا كل ذلك حزم منه رضي الله عنه"[6].

فنشأ رضي الله تعالى عنه بهذه التربية الربانية نشأة صالحة وتفوق على أهل زمانه بمشاركته في جميع العلوم، وعلو مقام ولايته. إذ غوثيته جدبت إليه الخلق يستجيرون به لربهم في الملمات والدواهي ويلتجئون إليه في المصائب الكبرى. وسنرى منه ما كابده مع الأتراك غوثا لمن استجار به من المسلمين. وخاصة بايات قسنطينة ووهران. وكان رب العزة يقضي به حوائج الناس لما حباه به من الخصوصية عنده فسبحان من يهب ما شاء لمن شاء كيف شاء، لا يسأل عما يفعل، وقد شهد له بهذا الفضل حتى أعدائه ومبغضوه[7] قال سيدنا الشيخ رضي الله عنه " أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولدي سيدي محمد الكبير، وأخيه سيدي محمد الحبيب وضمن لهما المعرفة بالله تعالى، وضمن لهما خيرا كثيرا"[8].

بعد وفاة سيدنا رضي الله تعالى عنه إنتقل بسيدي محمد الكبير وأخيه سيدي محمد الحبيب العلامة الشيخ سيدي الحاج علي التماسيني إلى عين ماضي منفذا بذلك أمر الشيخ رضي الله عنه. قال سيدي أحمد العبدلاوي " ... إن سيدنا رضي الله عنه كان أوصى سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه إن قضى الله بوفاته أن يسافر بأولاده ولا يتركهم بهذه الحضرة الفاسية..."[9] فامتثل أمره حيث قال في إحدى المناسبات " أولادي لا تليق بهم إلا الصحراء"[10].

بوصول أبناء الشيخ إلى عين ماضي يتجدد تخوف الداي التركي الحاكم بالجزائر من هذا التواجد الجديد لأبناء الشيخ التجاني رضي الله عنهم أجمعين، فيبدأ البايات يرصدون تحركات سيدي محمد الكبير. خاصة وأن أتباع الطريقة التجانية هناك في تزايد مستمر سواء في المدن أو في البوادي خاصة منها الواحات الجنوبية مثل عين ماضي وأبي سمغون والشلالة وغيرها من المناطق ف ..."... أمر الأمير حسن باشا باي قسطنطينة "[11] أن يعترض طريقه عند قدومه ويوقفه فلم يمكنه منهم في ذلك الوقت"[12].

وما أن سمع الداي حسين بن حسين[13] حاكم الجزائر بوصول ابني الشيخ حتى هزته المخاوف، فأرسل "...إلى أولاد الشيخ رضي الله عنه يطلب منهم أن يأتوا إليه ليتبرك بهم، وقصده شيء آخر، فاجتمع الأصحاب الحاضرون في ذلك الوقت، وقدم القطب سيدي الحاج علي رضي الله عنه في ذلك اليوم وصاروا يتكلمون في هذه الواقعة وماذا يفعلون؟ هل يتركون أولاد الشيخ رضي الله عنه يذهبون إليه... فقال... سيدي الحاج علي رضي الله عنه بجلال كيف نترك أولاد الشيخ يذهبون إلى الترك يلعبون بهم هذا لا يكون أبدا"[14] وقد مر بنفس الموقف ونفس المطلب شيخ الطريقة القادرية محي الدين وابنه عبد القادر  حيث فتك بهما الداي حسين. إلا أن العناية الإلهية بالنجلين الأكرمين حبتهما باللطف الخاص. " وبعد التشاور بينهما( سيدي محمد الكبير وسيدي محمد الحبيب رضي الله عنهما) وبحث الأمر مع الشيخ علي التماسني... تقرر رفض دعوة الحاكم التركي، كما اتفق على ذهاب الابن الأكبر للشيخ التجاني رفقة الخليفة التماسيني إلى تماسين ( وسيدي ) محمد الحبيب إلى أبي سمغون، وباقي الأسرة تمكث في عين ماضي "[15] وهذه من إحدى كرامات هذين النجلين، فقد رآى سيدي أحمد بن معمر الأغواطي" في بعض مرائيه قبل الواقعة التي حصلت بين أبناء الشيخ رضي الله عنه والترك، كأن للشيخ رضي الله عنه ثلاث خيم والطين متراكم بناحيتها، ورآى سيدنا يقول له: قل لهم خذوا خيمة واجعلوها في غرب الأغواط وخيمة لشرقها واتركوا الأخرى حتى يذهب الطين"[16]. " فاتفق أن جاءت الترك إلى عين ماضي للبطش بأهلها فبينما هم في الطريق إذ حصلت لهم زلزلة دمرت جميعهم ورجعوا منكسرين بعد أن خربت عين ماضي، وحفظ الله أهل الشيخ رضي الله عنه وداره المعظمة منهم"[17]

وحينما قرر سيدي محمد الكبير التجاني الذهاب إلى الحج[18] " على طريق الصحراء... أمر الأمير حسن باشا باي قسنطينة أن يعترض طريقه عند قدومه، ويوقفه، فلم يمكنهم الله منهم في ذلك الوقت فعندما رجع ( رضي الله عنه ) من الحج إلى بلاده ظهر له أن ينزع الملك من يدي الأتراك "[19] " الذين كانوا في غاية الاستبداد، وكان حكمهم كله طغيانا، ونظرة واحدة تلقى على تاريخهم، تفصح عما كانوا يرتكبون من سفك الدماء ونهب الأموال واغتيال بعضهم بعضا، فكانت حكوماتهم المتعددة فوضى "[20] " فجمع ( رضي الله عنه عرب الصحراء وجيش جيشا وجعل يدافع حشم اغريس[21]... وبايعوه سرا، وكان خبره قد بلغ باي وهران فكتب للأمير ( الداي حسين بن حسين ) بخبره، وتحيروا كثيرا، وانتظر الباي قدومه، فلما وصل إلى غريس، وأخذ يقاتل أهل المعسكر، واستولى على بعض الجهات، بعث الباي ( باي وهران ) المال لكبراء الحشم لكي يتخلوا عنه، وخرج إليه من وهران بالقوم، وأمر المحلة أن تردفه، فأصبح الباي مقاتلا، وفر الحشم[22] عن التجاني ( سيدي محمد الكبير )، وفر الكثير الكثير من جيوشه التي أتت معه،( بدافع الخيانة ) ولم يبق معه إلا نحو الثلاثمائة من أعراب زكور[23]، فثبت هو وثبت من معه من الأعراب ثباتا لم يثبته معهم أحد، وكان من عادة هؤلاء الأعراب في وقت القتال أن يعقلوا أنفسهم مثل الإبل، وهكذا، عقلوا أنفسهم وهو معهم، وقاتلوا قتالا شديدا، إلى أن قتلوا عن آخرهم... وأتوا بسيفه وبعض الحاجيات التي كانت عليه... وكان الباي ( باي وهران ) قد بعث البشائر للأمير قبل قدوم الرؤوس... ولكثرة ما كان الأتراك يخافونه، بعثوا للسلطان محمود[24] يبشرونه بقتله، وبعثوا إليه بسيفه والحاجيات التي كانت معه، واحتوى الباي على أثقال ( التجاني )، وأمواله، ورجع إلى وهران "[25].

إن هذه الشهامة التجانية الخارقة والخلاقة وهذه التضحية بأغلى ما يملكه الإنسان في سبيل عزة الإسلام والمسلمين ليدل دلالة واضحة على المكانة العظيمة لأبناء الشيخ رضي الله عنهم أجمعين.

  • لقد تربوا في مدرسة الشيخ رضي الله عنه التي لا تحيد قيد أنملة عن الشريعة المطهرة، وذلك بالعناية بالنشأ وتدريبه على تلقي الأوامر منذ بلوغهم سن السابعة أو الثامنة.
  • فصل الأبناء عن أمهاتهم في سن تلقي الأوامر حتى لا تفسد عاطفة الأمومة صرامة تلقي أوامر الشريعة الغراء.
  • العناية بتلقين أصول الشريعة الغراء من علوم نظرية وممارسة تطبيقية.
  • حرص الشيخ رضي الله عنه على تحصين أبنائه من غوائل الشيطان ومتاهاته، التي تأخذ بنواصي أهل الغفلة. فتم تزويج أبنائه في سن متقدم وقبيل وفاته رضي الله عنه، وأفرد سكنا خاصا بكل واحد منهم دفعا للتواكل والاتكال.
  • حرص الشيخ رضي الله عنه الدائم على المراقبة المستمرة لأداء الفرائض التي لا يقوم بناء صرح الإسلام إلا بها، وهي الصلوات الخمس. وخاصة صلاة الصبح.
  • اختيار سيدنا الشيخ لأبنائه ما يليق بهم من الأزواج والأصهار.

لقد ساهمت هذه التوجيهات التربوية أبناء سيدنا في اكتمال رجولتهم وتكوين شخصيتهم الدينية والوطنية والإنسانية، فكانوا بحق مثالا رائعا في الدفاع عن عزة الإسلام والمسلمين ضد الظلم والتسلط والقهر والتعسف والخيانة العظمى، وكانوا مدرسة نموذجية في الجهاد احتدى بهم التجانيون المخلصون في كل أنحاء العالم.

 

بقلم: عبد الله النظيفيين

مقدم الزاوية التجانية

بحي بريمة مراكش

 

 

 

 

 

 

 


1-      سورة الكهف 13

 

[2] ـ كشف الحجاب ص14-15

[3] ـ كشف الحجاب ص17

[4] ـ كشف الحجاب ص17

[5] ـ كشف الحجاب ص18

[6] ـ كشف الحجاب ص17

[7] ـ كشف الحجاب ص57 استنتاج من قصيدة أحمد سكيرج

[8] ـ الإفادة الأحمدية حرف الألف رقم 13

[9] ـ كشف الحجاب ص 407

[10] ـ الإفادة الأحمدية حرف الألف 37 ص 40

[11] ـ البايات هم عمال الأقاليم. فقد قسم الداي حاكم الجزائر الجزائر إلى أربعة أقسام دار السلطان عاصمتها الجزائر حيث حكم الدايات المباشر. ثم بييليك الشرق عاصمتها قسنطينة وهي التي يحكمها في هذه الفترة الأمير حسين باشا باي. وبييليك تطري عاصمتها المدية التي يمتد نفوذها إلى عين ماضي والغواط. ثم بييليك الغرب وعاصمتها مذونة ومعسكر ووهران وهي في هذه الفترة وهران.

 

[12] ـ مذكرات أحمد الزهار مخطوط ص 190-191

[13] ـ جدول سلالات الدايات موقع على شبكة الأنترنيت

[14] ـ كشف الحجاب ص 470

[15] ـ رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بنشارف محمد ص16

[16] ـ كشف الحجاب ص 470

[17] ـ كشف الحجاب ص 470

[18] ـ رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بنشارف محمد ص 17

[19] ـ رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بنشارف محمد ص 17-18

[20] ـ اليواقيت العرفانية سيدي ادريس العراقي ص 29

[21] ـ - قبيلة يوجد موقعها بين مدينة معسكر وسعيدة الجزائريتين / بتصرف من هامش رسالة لنيل... ص 20

 

[22] ـ وهي قبائل غريس

[23] ـ وأكثرهم من أبي سمغون وكلهم تجانيون. وأما الفارون من حشم اغريس فلم يكونوا كذلك إنما هم قبائل متضررة من ظلم الأتراك، غير أن موقفهم الجهادي غير راسخ، يستبدل بالمال.

[24] ـ هو محمود الثاني ( 1808-1839 ) كانت فترة حكمه مظلمة عرفت فيها الإمبراطورية هزائم متواصلة خاصة في أوربا، ولذالك خطط لتكوين جيش نظامي يعوض الإنكشارية .وتقلصت موارد الدولة.

[25] ـ مذكرة الحاج أحمد الزهار نقيب الشرفاء بالجزائر 1980 / مخطوط ص 190-191 عن رسالة لنيل دبلوم..... ص20.

بقلم: عبد الله النظيفيين

مقدم الزاوية التجانية

بحي بريمة مراكش