تعريف بالعلامة الفقيه الحاج عبد الرحمن الحداد المستغفر:عن حفيدته عائشة المستغفر

كان الفقيه رحمه الله وطنيا لا تأخذه في الله لومة لائم، إذ كان يعبر أمام سلطة الحماية عن آراء السكان، ولرأيه أهمية كبيرة لدى تلك السلطة، كما كان له اهتمام شديد بتتبع أخبار البلاد، وخاصة عن طريق الجرائد، وقد تعرض قبل سنة 1953م لمضايقات من قبل سلطات الجماية لأنه كان يشكل نقطة يلتقي عندها كثير ممن لهم صلة بالحركة الوطنية، وعاش كل مراحل المقاومة التي كانت مدينة إنزكان مسرحا لها.

تعريف بالعلامة الفقيه الحاج عبد الرحمن الحداد المستغفر:عن حفيدته عائشة المستغفر

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

تعريف بالعلامة الفقيه المقدم سيدي الحاج عبد الرحمن الإنزكاني الحداد المستغفر

اسمه ومولده رضي الله عنه ونشأته:

هو العلامة الفقيه المقدم سيدي الحاج عبد الرحمن بن محمد بن علي بن حميد بن محمد بن أبي القاسم الرجراجي الحداد المستغفر الكسيمي الإنزكاني دارا ومنشأ.

كان مولده رحمه الله يوم الأربعاء السادس عشر جمادى الثانية سنة ألف وثلاثمائة وستة وعشرين هجرية (1326هـ) الموافق لستة عشر يوليوز ألف وتسعمائة وثمانية ميلادية (1908م) بإنزكان، وهي من مدن سوس بجنوب المغرب، ومن معالمها المسجد الكبير أو المسجد العتيق (المسمى حاليا مسجد الإمام علي)، وكانت به مدسة اشتهرت بالقراءات، وقام بالتدريس فيها عدد من كبار العلماء، لكن ازدهار المدرسة علميا إنما كان أثناء الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن حيث تولى التدريس فيها العلامة الفقيه سيدي الحاج عبد الرحمن .

كان والده رحمه الله سيدي محمد بن علي قاضيا وعالما مشهورا، أجازه عدد من كبار العلماء –كما قال عنه العلامة المختار السوسي-.

وفي هذه البيئة العلمية، نشأ نشأة صالحة، وتربى تربية فاضلة مبنية على احترام الدين، وعلى الأخلاق القويمة، فقد كان رحمه الله لين الجانب، عف اللسان، لا يقف على الأعتاب، عالي الهمة، لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله، متأدبا بآداب السنة السنة الطاهرة.

تعليمه رضي الله عنه وشيوخه:

تلقى الحاج عبد الرحمن تعليمه الأولي بمسجد مدينة إنزكان على يد المقرئ سيدي عبد القادر بن أحمد، وعلى يد ولده من بعده سيدي مبارك بن عبد القادر لمدة سبع سنوات. ولما توفي شيخه انتقل إلى قرية "المزار" حيث حفظ القرآن بروايتي الإمامين نافع والمكي على يد المقرئ سيدي الحاج محمد بن عبد الله الركراكي الإخرباني، وهو عالم جليل، ومرب فاضل، صوفي علم من أعلام الطريقة التجانية توفي رحمه الله سنة 1413هـ.

بعد تحصيله وإتقانه رضي الله عنه لحفظ القرآن الكريم؛ انتقل إلى مدرسة "سيدي ميمون" قرب قرية "المزار" حيث تلقى مبادئ علوم اللغة العربية من نحو وصرف وغيرهما وكذا العلوم الشرعية مثل الفقه التوحيد، كما درس الجساب وعلم الفرائض عند الفقيه سيدي مبارك بن محمد البوزوكي(ت.1356هـ) وهو من الآخذين عن العلامة سيدي الحاج مسعود الوفقاوي، وكان مشارطا بـ "أيت ملول" ذائع الصيت.

بعده استكمل سيدي الحاج عبد الرحمن علومه عند الأستاذ الفقيه العلامة سيدي الحاج مسعود الوفقاوي الذي ينتمي إلى آل تعدوين، وله تجربة طويلة في التدريس بمدارس سوس، لكن أهم عطاءاته كانت بمدرسة "إغلالن" حيث كانت له طريقة خاصة تميزت بالتكامل بين مختلف المواد الدراسية المتداولة آنذلك.

مشارطاته رضي الله عنه:

لما تخرج رضي الله عنه من مدرسة "إغلالن" على يد أستاذها المذكور، أرسله ليشارط بدوار "إرْحَّالْن" بالـ"الدشيرة" على مقربة من مدينة "إنزكان"، فما لبث أن طلب آل إنزكان لجامعهم الذي كان به آنذاك سيدي إبراهيم التهامي الذي انتقل إلى مسجد "إرحالن"، وبقي رضي الله عنه بمدينة إنزكان مسقط رأسه وحيث سكناه وعشيرته، فتفرغ للتدريس والإمامة والإفتاء، وتحرير الفرائض والفصل في التركات، فلم يلبث إلا قليلا حتى ملأت شهرته تلك النواحي واستمر في هذا المسجد يبلغ رسالته التعليمية والدينية إلى أن وافاه الأجل رحمه الله ورضي عنه.

وطنيته رضي الله عنه وومواقفه من الاستعمار

كان الفقيه رحمه الله وطنيا لا تأخذه في الله لومة لائم، إذ كان يعبر أمام سلطة الحماية عن آراء السكان، ولرأيه أهمية كبيرة لدى تلك السلطة، كما كان له اهتمام شديد بتتبع أخبار البلاد، وخاصة عن طريق الجرائد، وقد تعرض قبل سنة 1953م لمضايقات من قبل سلطات الجماية لأنه كان يشكل نقطة يلتقي عندها كثير ممن لهم صلة بالحركة الوطنية، وعاش كل مراحل المقاومة التي كانت مدينة إنزكان مسرحا لها.

ولا ينسى أحد من السكان موقفه عندما زج الاستعمار بالسلطان مولاي محمد الخامس وأسرته الكريمة في المنفى، فامتنع عن الدعاء لابن عرفة في صلاة الجمعة وصلاة عيد الأضحى، وهو مطوق بالجيش الفرنسي، فذكر السلطان الشرعي واعتقل فورا، وتعرض لمضايقات خاصة من قبل القبطان الفرنسي "دولاي"، وانتفضت مدينة إنزكان، مما جعل السلطة تسرحه في اليوم نفسه. فعزل بسبب ذلك من مهامه باعتباره خطيبا، وفرض عليه أن يبقى في منزله مدة عامين وتفرق تلامذته، ونصب مكانه عالم آخر إلى سنة 1955م تاريخ رجوع الملك الشرعي من المنفى، واستأنف رحمه الله نشاطه في التدريس والإمامة دون أن ينسى عمله الأصلي في الحدادة والفلاحة.

وهذا الحس الوطني لم يكن جديدا على الفقيه رضي الله عنه بل كان لوالده رحمه الله صلة بملوك المغرب، ويذكر في تقاييده لقءه بالسلطان مولاي الحسن الأول وتقديم مصحف هدية له في جملة من العلماء أثناء رحلته حينذاك إلى سوس سنة 1886م.

تصوفه: تلقيه للطريقة التجانية، وتلقينه لها للمريدين والفقراء.

كان رضي الله عنه رجلا صوفيا ينتمي إلى الطريقة الأحمدية التجانية، فكانت ربع عزته التي يهيم بها، وركنا قويا من أركانها العظام، وبها وبأذكرها يلهج آناء الليل وأطراف النهار، وتلقى الإجازات والإذن في التربية بها على يد شيوخ أجلاء وعارفين أصفياء، وهم:

- سيدي مبارك بن محمد البوزوكي.

- وسيدي أحمد بن مبارك أُتِنْهْمُّو الهشتوكي الذي أصبح على يده مقدما للطريقة سنة 1356هـ الموافق لسنة 1937م.

- وسيدي الحاج الأحسن بن أبي جماعة البعقيلي (ت 1368).

- وسيدي الحاج علي بن أحمد الإسيكي.

- سيدي الطيب بن سيدي علال التجاني.

خدماته في المجال العلمي والصوفي

وقد جند نفسه رحمه الله لخدمة الطريقة التجانية والذوذ عنها، فبذل في سبيل تحقيق ذلك جهودا عظيمة يشيد بها معاصروه وإخوانه في الطريقة، وحيث إن من لوازم الطريقة الأحمدية التجانية البحث والتنقيب عن مظان العلم الصحيح كتاب الله وسنة رسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم الشيء الذي جعل سيدنا الفقيه رحمه الله لا يفتأ عن التحرير ومقابلة الفروع مع الأصول ككل عالم تجاني له المقدرة على ذلك، فكان رجل الدين والدنيا، وعالم الشريعة والطريقة بكل ما لها وما عليها، فله في نشرها وذب الأباطيل الملصقة بها يد بيضاء، وله فيها قصائد رائعة، ورسائل إلى إخوانه في الطريقة، وجهود وخدمات مطاعة طائعة ، ينشد حاله فيها قائلا:

وحلت سواد قلبي لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا

ومع تفانيه رضي الله عنه، فإنه كان يعظم جميع الطرق الصوفية - وهو شرط من شروط الطريقة- ويحترم آراء مريديها، ويزجر الفقرتاء المتشددين.

خدماته في المجال الاجتماعي

كان على يديه مداه كثير من الشؤون المتعلقة بمدينة إنزكان، وله وجود متميز في أدق الأمور من حياة السكان، وكان مصدر الاستشارة والفتوى والفصل في الدعاوي، وتقسيم التركات، ولرأيه اعتبار بين الخاص والعام، فقد عاشر رحمه الله لمصالح المسلمين أكثر مما عاش لنفسه، يواسي الفقراء والأرامل والأيتام، ويصل ذوي الأرحام.

وقد رفض تولية القضاء أيام الاستعمار رغم أنه طولب إجباريا، وهدِّد، وجاءته السلطة إلى داره مرتين لإرغامه على ذلك، فامتنع امتناعا كليا قائلا: "من رضي بحكم الله فليأتني في داري أحكم عليه بحكم الله". فكان رحمه الله يتولى الفصل بين الناس وتنفذ أحكامه.

إضافة إلى كل ماسبق فقد كان عف اللسان، طاهر القلب، مخلصا لاله في عمله، يحب الخير ويسعى إليه، ويغرس الفضائل في نفوس من يحيط به، ويحذر من الوقوع في النقائص وانتهاك حدود الشرع.

وفاته: توفي العلامة الفقيه سيدي عبد الرحمن المستغفر صبيحة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من صفر الخير سنة 1403هـ الموافق لثامن دجنبر 1982 ميلادية، رحمه الله ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته إنه سميع مجيب.

بعض مؤلفاته:

ورغم أن فقيهنا رحمه الله كان يهتم بالتربية العلمية أكثر من النظرية فقد خلف بعض المؤلفات نذكر منها:

- كناشة كبيرة اهتم فيها كعادة الفقهاء بالنظائر الفقهية والنحوية والأدبية وسجل فيها كثيرا من الأحداث العامة والعائلية وقصائد شعرية من نظمه.

- رحلة حجازية في دفتر، ألفها سنة 1957م.

- منظومة نورة الربيع فيما يفسد الحج من الجماع، ولها شرح بعنوان: "فتح العلي السميع بشرح منظومة نورة الربيع " وهو مخطوط صغير بقلم تلميذه الفقيه الأديب العلامة سيدي محمد الضو السباعي.

- فتوى مطولة في مسألة السدل في الصلاة، وهي متداولة.

- مجموعة كبيرة من خطب الجمع والأعياد، وهي سجل يعكس المواضيع والاهتمامات الدينية والأخلاقية والأحداث التاريخية التي عاشها طوال حياته.

--------------------------------------------

مصادر هذه الترجمة :

1- " قطرة من بحر سيدي الحاج عبد الرحمان" و هو مخطوط كتبه تلميذه عبد الله رضوان الدرايدي العميري الهشتوكي في ثمان و عشرين صفحة

2- "شرح فتح العلي السميع على منظومة نورة الربيع " و هو مخطوط كتبه تلميذه الحاج محمد الضوء السباعي و ذكر فيه ترجمته

3- ترجمة بقلم ابنه عمر المستغفر

4- "معلمة المغرب" الجزء الثالث ، ترجمته بقلم الأستاذ عمر آفا

5- وثيقة كتبها والد المترجم : محمد بن علي وجدت في خزانة المترجم له

6- " المعسول " للعلامة محمد المختار السوسي ، الجزء الثالث

7- "خلال جزولة " للعلامة محمد المختار السوسي، الجزء الأول

............................

كتب بواسطة حفيدة المترجم له : عائشة المستغفر