الأديب الطاهر بن محمد الإفراني التمانرتي

الأديب الطاهر بن محمد الإفراني التمانرتي
1284 -1374

 

 

هذه الكلمة لا تستوفي في اعتقادي قدر هذا الرجل العظيم الذي يعد من كبار أدباء المغرب في النصف الأول من القرن العشرين. فلا نكاد اليوم نسمع له ذكرا على الإطلاق إلا في بعض الأوساط الضيقة في سوس و عند بعض المقدمين التجانيين نظرا للرابطة الروحية و العرفانية التي تجمعهم.لكن على الرغم مما عهدنا قوله و سماعه عن عدم اعتناء المغاربة بأعيانهم فإن البحاثة محمد المختار السوسي لحسن حظنا خص لهذا الرجل و لأبيه و علماء أسرته الجزء السابع من المعسول. كما نجد الحديث عنه مبثوثا في باقي الأجزاء التسعة عشرة الأخرى نظرا لعدة اعتبارات أهمها مواكبته لكل الأحداث التي عرفتها المنطقة الجنوبية منذ وفاة السلطان مولاي الحسن إلى أن أوشك المغرب استعادة سيادته التي دافع عنها سي الطاهر باستماتة مهما كلفه الثمن حيث جاهد من أجل استقلال المغرب بنفسه و ماله و لسانه.
فمن هو الأديب الطاهر الإفراني؟
يقول المختار السوسي على أنه من الأسرة البكرية من درية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق و أتى بعمود نسبه كما تواتر عند أهل النسب بسوس. و هذا النسب لا شبهة فيه إذ أقر به علماء المغرب منذ القدم لجد المترجم الأعلى و هو العارف بالله محمد بن ابراهيم التمانرتي اللكوسي المنوزي المتوفى سنة 971 و أخباره مع الأمير أحمد الأعرج السعدي مشهورة مسطرة في كتب التاريخ لأنه ثالث الثلاثة مع الشيخ أحمد بن موسى السملالي و الشيخ سعيد بن عبد النعيم الحاحي، الذين أرسوا قواعد الدولة السعدية المجاهدة بسوس.
كما قال في حق أسرته ( أن التمنارتيين من البيوتات المشهورة في الأعصار المختلفة إما بالدين المتين و العلم ، و إما بأحدهما ). وكدليل على هذا القول أتى بتراجم 35 عالم من هذه الأسرة...آخرهم والده العالم الكبير و الصوفي محمد بن ابراهيم المتوفى سنة 1296. وهو من تلامذة العالمين الكبيرين سيدي الحسن بن طيفور و الحاج الحسين الإفراني. ولا عجب إذا سمي بلد المترجم عند أهل سوس بوادي الأدباء
بدأ سي الطاهر الدراسة مبكرا حيت حفظ القرآن بمسقط رأسه تانكرت ثم انتقل إلى مدرسة بومروان فبقي بها مدة إلى أن نقل بأمر من أصحاب أبيه إلى المدرسة الكبيرة التي أنشئها العلامة محمد بن عبد الله الإلغي بقرية إلغ سنة 1297 فبقي عنده إلى أن توفي سنة 1303 بمراكش في إحدى زياراته للسلطان مولاي الحسن فحمل مشعل التربية من بعده أخوه العلامة الزاهد المجاهد سيدي علي بن عبد الله. فكان للطفل اليتيم بمثابة الوالد الحنون و الشيخ المربي.
كانت العلوم المتداولة في ذلك العصر بالمدارس السوسية هي العلوم و البرامج المعتادة بالمدارس المشهورة في كبريات مدن المغرب وهي النحو و اللغة و البيان و الفقه و الفرائض.إلا أن المدرسة الإلغية تميزت على المدارس الأخرى بالاعتناء بالتكوين الأدبي و السيرة النبوية فقد كان لتلامذة هذه المدرسة اعتناء خاص بالأدب الأندلسي و كتاب نفح الطيب على الأخص كان (مصحفهم ) أكبوا عليه حتى امتزج بلحمهم و دمهم أدب ابن الخطيب و ابن سهل و ابن شهيد و ابن زيدون و ابن خفاجة و ابن بسام الخ .
ولا شك أن الشاب الطاهر كان أنجب أقرانه و أكثرهم تفوقا بشاهدة شيوخه و زملائه، فلذلك قرر الانتقال إلى تارودانت سنة 1305 من أجل تحصيل ما لم يجد إليه سبيلا في بلده لسيما بعد وفاة مؤسس المدرسة الإلغية. فأخذ على الشيخين أحمد الكشتيمي و أحمد أمزركو الأصول و الحديث و التفسير. ثم عاد إلى إلغ و تباشير المشيخة تلوح عليه فصار يتشبه في لباسه الفاخر بنجم سوس الساطع في ذلك الوقت القاضي الحاج الحسين الإفراني.فطلب الإجازة من سيدي علي بن عبد الله فأجازه كما أجازه من قبل الشيخ الكشتيمي.ثم رحل إلى قريته تناكرت سنة 1307 و استقر ببيت والد إذ لم يخلف ولدا آخر غيره و تزوج من أحد كبار البيوت إذ صاهر الشيخ المدني الناصري كبير الزاوية في ذلك الوقت.
وبرجوعه لقريته فتح له باب التكوين الصوفي عن مصراعيه إذ صار لا يفارق مجالس سيدي الحاج الحسين الإفراني أكبر داعية تجاني بسوس و أجازه في الطريقة التجانية إلى أن فرقت بينهما النكبة التي هيجت القاضي من قريته إلى تغجيجت فعمل سي الطاهر على مصالحة شيخه مع أعدائه و إرجاعه إلى بيته لأسباب لا حاجت لنا بذكرها هنا. و لما قرر سيدي الحاج الحسين الحج ثانية سنة 1314 تاقت نفس العالم الشاب في غياب شيخه إلى زيارة فاس و الأخذ عن شيوخها لكن الله لم يجعل له نصيبا في ذلك إذ وجد طلبة المدينة الإدريسية مضربين عن الدروس، فلم يحضر خلال لإقامته التي دامت ثلاثة أشهر إلا درسا واحدا عند الحاج محمد بن عبد السلام جنون.
لكنه استغل إقامته بفاس في التعرف على رجال الطريقة التجانية الذين كان يلتقي بهم في زاوية الشيخ التجاني أمثال الأديب علال بنشقرون و الرئيس عبد الكريم بنيس و محمد الزيزي و مولاي الطاهر بن أبي النصر العلوي والغالي بن معزوز و العارف سيدي العربي العلمي و سيدي الطيب السفياني و سيدي محمد بن العربي العلوي الزرهوني المدعو سلطان المقدمين و الأديب مولاي عبد الرحمن بن زيدان الخ.و هؤلاء الرجال كلهم من كبار علماء الطريقة و ورثة الشيخ. فاعتنوا به غاية الاعتناء نظرا لعلمه و عزيمته و مكانة أسرته و كذلك احتراما لشيخه سيدي الحاج الحسين الذي صار في ذلك الوقت وارث الأسرار التجانية على الإطلاق.ثم عاد أدراجه مارا بالرباط فاجتمع مع تلامذة سيدي العربي بن السائح الأديب محمد الأمين بلامينو و عبد الله التادلي و أحمد بنموسى و أحمد جسوس فأخذ عنهم الكثير من الأخبار المتعلقة بالشيخ التجاني كما سمعوها من سيدي العربي و أخبار أكابر أصحاب الشيخ التجاني ثم من الرباط انتقل عبر الطريق الساحلية إلى الصويرة فالتقى بالفقيه سيدي عبد الله القشاش و الأديب القاضي مولاي أحمد بن المأمون البلغيثي.
وكانت تتخلل هذه المجالس مساجلات شعرية رائقة أبانت على فصاحة العالم السوسي الشاب و تمكنه من صناعة القريض جلب سي مختار منها كثيرا من القصائد استدل بها عند الحاجة.
بعد هذه الجولة عاد إلى بيته و تصدر للتدريس إلى أن هاجت البلاد بسبب الاحتلال الفرنسي للمغرب.وقد شاءت الأقدار أن يرزأ سنة 1328 بفقدانه لثلاثة من كبار العلماء و المجاهدين و هم شيوخه الحاج الحسين الإفراني و الشيخ ماء العينين و الحاج علي الدرقاوي والد المختار السوسي. اختفت في وقت وجيز ثلاثة ركائز كان المترجم يعتمدها يتكأ عليهم و يلجأ إلى مشورتهم في الكبيرة و الصغيرة لسيما مواجهة الأحداث المهولة التي فرضت على المغرب في ذلك الوقت.
و بمدرسة تانكرت تعرف المختار السوسي على شيخه سي الطاهر سنة 1332 -1914 حين أتى الطفل اليتيم عند تلميذ والده لتعليمه و كفالته. و خلافا لكل ما قد يدعيه بعض المهتمين بحياة المختار السوسي فهو لم يدرس أبدا في المدرسة الإلغية مدرسة قريته و إنما درس بتانكرت. و لما شغل الأستاذ بعمل الجهاد تولى تدبير أمور المدرسة بالنيابة ولده الفقيه العلامة محمد بن الطاهر 1330 -1912 هذه الأرقام ستبقى في تاريخ المغرب تذكر الأجيال بعدوان غاشم نزل بساحة المغاربة فارتجت له العقول و بلغت القلوب الحناجر. لم يعرف أي جيل من قبل نازلة كهذه. لقد سبق للقوات الأجنبية أن احتلت شواطئ المغرب في القرن التاسع و العاشر للهجرة لكن هذا الاحتلال بقي محصورا لا يتعدى القلاع التي بناها العدو على السواحل لم يعرفوا كيف يتعاملون مع عدو عزم على نشر قواته على كل التراب الوطني.و لم يصدق الناس أن المخزن الحفيظي الذي بايعوه سنة 1325 ( بيعة أهل تزنيت لمولاي عبد الحفيظ من إنشاء المترجم ) من أجل حمل لواء الجهاد و طرد الجيوش الفرنسية من الشاوية و وجدة سيقدم على تسليم مقاليد الأمور إلى الجيش الفرنسي بناء على عقد حماية لا يعرفون له معنى و لا نظير.فثارت ثائرة المغاربة في المدن و البوادي، و عبروا عن سخطهم و نظموا حركات جهادية ضد عدو منظم و مسلح بأحدث الأسلحة و أكثرها فتكا بالأرواح. فاستقبلوا هذا العدو بأسلحتهم الشخصية المتواضعة معتمدين على العصبية القبلية المهددة في كل وقت و حين بالتصدع و الاندثار تحرك أهل سوس و حاحا و دكالة و الحوز و تادلة و زيان و الريف و جبالة. و قد بلغت السذاجة بالقبائل المحيطة بفاس أن حاولوا الهجوم على المدينة من أجل وضع اليد على عقد الحماية حتى لا يتم "بيع المغرب" للأجانب كما تعتقد العامة.
وقد تقوت رغبة الجهاد عند القبائل لما سمعوا أن مولاي حفيظ أرغم على توقيع العقد و بعد ذلك أشيع أنه تنحى عن السلطنة لعدم رضاه على ما يحدث و لم يتول الأمر أي أمير أخر مكانه. هذه هي الأخبار الرائجة في قاعدتي سوس تزنيت و تارودانت في ذلك العهد..
كانت تزنيت مستقر أسرة ماء العينين مند 1328 حين رفضت السلطات الفرنسية لهذا الشيخ المجاهد أن يزور السلطان بفاس كما منعوه من العودة إلى زاويته بالسمارة فأشار عليه مولاي حفيظ بالإقامة مؤقتا بدار المخزن بتزنيت فتوفي بعد مدة وجيزة و بقي أبنائه محترمون يزورهم الناس لأنهم علماء و أدباء و صلحاء لا غير.لكن الأمر اتخذ منحى آخر لما تصدر بعض دوي الأغراض من أعيان سوس لتشجيع أحمد الهيبة على النهوض لإمارة المومنين فتجرؤوا على أمر لم تشرئب إليه أية أسرة بالمغرب منذ أن أرسى مولاي رشيد بن الشريف في القرن السابع عشر ركائز وحدة البلاد تحت لواء الشرفاء العلويين.
على كل حال فلسنا بصدد الحديث عن حركة الهيبة و أخوه من بعده. فالذي يهمنا هو الوفاء الذي أظهره الشاعر المكافح و المنافح الطاهر الإفراني لعمل المجاهدين بسوس و أيت باعمران من سنة 1330 إلى 1352 1912-1934 و هي السنة التي اجتاحت فيها القوات الفرنسية القبائل التي استماتت في المقاومة و أرغمتها على الخضوع للأمر الواقع ففر مربيه ربه من التراب الخاضع للسلطات الفرنسية و التجأ إلى منطقة الحماية الإسبانية بسيدي إفني حيث أنهى ما بقي من حياته في هدوء و خنوع. و من غرائب الأمور أن نلاحظ كيف استسلم محمد بن عبد الكريم الخطابي للسلطات الفرنسية سنة1926 بعد محاربته البطولية لإسبانيا و استسلام مربيه ربه إلى السلطات الإسبانية بعد مقاومته للوجود الفرنسي بالمغرب.
ننتقل الآن إلى المرحلة الثالثة من حياة الأديب و هي 1352 -1374 الغنية بالأسفار واللقاءات الأدبية بل الاحتفالات التي لا تنتهي. فما كادت المنطقة السوسية تهدأ من هيجانها حتى قام سي الطاهر برحلة واسعة وطويلة جاب خلالها المدن والبوادي:مراكش و الدار البيضاء و فاس و مكناس...الخ فعلى سبيل المثال لما زار مراكش سنة 1354 -1936 استقبله تلميذه المختار - الذي صار شيخا بإحدى زوايا والده في باب دكالة لكن دون تلقين الأوراد الدرقاوية – مع تلامذته استقبالا يليق بمقامه ونظم أسبوعا أدبيا حضره كل من ينتسب للعلم والأدب. و لا شك أن باشا المدينة الحاج التهامي الكلاوي وافق على هذه الحفاوة بل شجعها وكان من ضمن المحتفين. ورب قائل يقول: كيف تناسى الكلاوي مواقف سي الطاهر المعادية للحماية الفرنسية وعدم إصغائه لكل العروض المغرية التي قدمت له من أجل التخلي عن الهيبة وأخيه من بعده؟ فالجواب نأخذه من المعسول حيث قال سي المختار، و هو شاهد عيان: لابد أن نسجل للفرنسيين أنهم إثر ما ألقوا كلكلهم على تلك الناحية عرفوا كيف يسوسون الناس. فإنهم أعرضوا عن الكثيرين ممن كانوا يجاهدون في الدفاع برخص مهجهم حتى يجدوا لهم جريرة. وأما من قبعوا واستكانوا و زمّوا ألسنتهم كالسي الطاهر فإنهم أعرضوا عنهم ثم صاروا يتقربون إليهم بالتعظيم ليقروا بذلك أعين الدهماء بل علقوا لهم أوسمة في مجتمعات الناس إعلانا بأن الحكومة تحترم رؤساء الدين ، بل كانوا يحبون أن يجذبوا المترجم إلى جهتهم بتعظيمه و بتوسيمه. لكنه يكون في أيديهم ـ كحوتة مطلية بالصابون ـ ،  فلا يعصى و لا ينقاد كل الانقياد. فقنعوا بأن يكون إزاءهم ولده سيدي محمد، و هكذا أمكن للمترجم أن ينجو من حبائل الفرنسيين مع أنهم علموا ما فعل أيام الكفاح. فقد اعتاد أن يغترب كثيرا عن داره إلى الأماكن التي فيها أملاكه، فينسونه. ومتى لاقاهم يتمسكن و يلين لهم الجانب ثم لا يكثر الاتصال بهم لا في حفلاتهم و لا في غيرها إلا إذا دعته ضرورة أو سدا للذريعة أو ذرا للرماد في الأعين. هذا و قد أقبل في هذا الطور على صياغة قصائد في الجناب النبوي مع الاحتراس فيها غاية الاحتراس.
وتصديقا لما قلنا، فقد ذكر سي مختار عرضا أن في هذه الحقبة استغاث سي الطاهر بالباشا الكلاوي لمساعدته على استرجاع أرض له استولى عليها أناس بغير موجب شرعي، فإذا بالباشا يغدق عليه الهبات التي تتجاوز قيمة الأرض التي ضاعت منه. و بهذه المناسبة استدعاه القائد عمر بن المدني الكلاوي إلى دمنات فالتقى هناك بالعلامة سيدي محمد الحجوجي و حضي من طرف القائد بكرم عظيم ثم قفا راجعا لبلده مغبوطا فمر على الصويرة فاحتفى به الباشا محمد بلمعلم كذلك احتفاء كبيرا...و لم يكن أعيان حاحا و الشياظمة و سوس أقل كرما للشاعر . فكلما حل بناد استقبله أهله بالترحاب و الهدايا النفيسة كآل الكيلولي و أنفلوس و الحاجي و التييوتي و غيرهم من رؤساء سوس فيرد لهم الجميل بقصائده الطنانة.قال المؤرخ علي بن الحبيب الجراري: بلغ ديوان الطاهر الإفراني سنة 1340 ما لا يقل عن 10000 بيت من الشعر دون المبعثر.فما بالك بإنتاجه الشعري عشرين سنة بعد التاريخ المذكور.و الحقيقة أن الرجل كان من أولائك الذين يتكلمون شعرا.
ولا أفشيكم سرا إذا قلت أن كل الأعيان المذكورين سابقا من فاس إلى أقصى جزولة كانوا تجانيون أحمديون، و بإكرامهم للشاعر والعالم الكبير إنما يعترفون صدقا بالفضل لرجل مخلص استمات في وفائه لفكرة المغرب المستقل، صاحب الكلمة المسموعة بين الدول كما عهدوا الأمر زمن السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام وابنه سيدي محمد وحفيده مولاي الحسن. ولا شك أن سي الطاهر كان خاتمة علماء مغرب مضى وصاحب المعسول الذي يعرفه يشهد له بالمكانة العلمية العالية ، فوضعه في مقام ابن حزم و ابن عبد البر و ابن العربي المعافري و الحاتمي و ابن عاصم، وكفاه شرفا بهذه الشهادة.
مولاي المهدي الكنسوسي
حفيد العلامة الكنسوسي