وصية الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه للمقدمين

يشترط في المقدم في الطريقة التجانية أن يتخلق بمكارم الأخلاق، و يتحلى بمحاسن الآداب، وحسن المعاشرة مع الإخوان، وقد جمع سيدنا رضي الله عنه أهم ما يجب على المقدم أن يتصف به من ذلك في وصيته للمقدمين.


قال رضي الله عنه:
"وأوصي من كان مقدما على إعطاء الورد:
أن يعفو للإخوان عن الزلل، وأن يبسط رداء عفوه على كل خلل،
وأن يجتنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شينا أو حقدا،
وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم، وفي إزالة كل ما يوجب بغضا في قلوب بعضهم لبعض، وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها. وليكن سعيه في ذلك طلبا لمرضاة الله تعالى لا لحظ زائد على ذلك،
وأن ينهى من يراه يسعى في النميمة بينهم، وأن يزجره برفق وكلام لين،
وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير، والبعد عن التنفير والتعسير، في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه، من حقوق الله وحقوق الإخوان، ويراعي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".
عليه أن يتباعد عن تغريم دنياهم، وأن لا يلتفت إلى ما في أيديهم، معتقدا أن الله تعالى هو المعطي والمانع، والخافض والرافع، وليجعل همته في تحرير دنياهم من التشتيت والتبذير، وأن لا يطلبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير، إلا ما سمحت به نفوسهم من غير طلب، فإن عقول الناس حول هذا المطاف تدور، وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور". (انظر: جواهر المعاني: 2 - 91).

اشتملت هذه الوصية الجليلة، على عدة أوصاف جميلة، وأخلاق نبيلة، يجب على كل مقدم أن يتصف بها، وأن يعمل على اكتسابها، والتحلي بها، وتفصيل ذلك كما يلي:

1-أن يعفو للإخوان عن الزلل، ويصفح عن الخلل، فبذلك يتمكن من توثيق عرى المودة بينه وبينهم، وخصوصا إذا زاد على العفو والصفح، النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة.
فإذا صدر مثلا من أحدهم ما يكره، تكلم في مذاكرة عامة في أمور متعددة، ثم تحدث عن قبح ذلك الفعل وشناعته، وسوء عاقبة فاعله، ويبالغ في ذلك، حتى يكرهه فاعله، ويتركه من تلقاء نفسه، دون أن يشعر أنه هو المقصود بذلك. وهكذا يعالج كل زلل، ويجبر كل خلل بما يناسبه.

2- أن يجتنب ما يوجب في قلوب إخوانه ضغينة أو شينا أو حقدا، ولا يتم له ذلك إلا باتصافه بالإيثار والكرم، والتواضع والصبر والحلم، وأن لا يميز بينهم، ولا يفضل بعضهم على بعض، ولا يكلفهم، ولا يشدد عليهم.
وأن يهتم بشؤونهم، ويقضي حوائجهم، وأن ينصفهم من نفسه، ويترك الانتصاف منهم، ويرى أن لهم عليه من الحقوق ما لا يقدر على القيام بأقل القليل منه، ولا يرى لنفسه عليهم حقا من الحقوق.

3- أن يسعى في إصلاح ذات بينهم، وإزالة كل ما يوجب بغضا في قلوب بعضهم لبعض، وأن يسرع في إطفاء نار بينهم عند اشتعالها، وهذا من آكد المهمات التي يجب على المقدم القيام بها، لأنه بذلك يجمع كلمة الإخوان، ويوحد صفوفهم، ويزيل كل نزاع وشقاق بينهم، ليكونوا على قلب رجل واحد، وعليه أن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى، لا لحظ زائد على ذلك.

4- أن ينهى من يراه يسعى بالنميمة بين الإخوان، لإفساد المودة بينهم، وزرع العداوة في قلوبهم، لكن ينبغي أن يكون زجره لمن فعل ذلك بالرفق والكلام اللين، والموعظة الحسنة، حسب ما تقدم في العفو والصفح.

5- أن يعامل إخوانه بالرفق والتيسير، وأن يبتعد عن التنفير والتعسير، في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وعليه أن يكون قدوة لهم، فيعمل بما يأمرهم به، ويبتعد عما ينهاهم عنه، فيرشدهم بالحال وبالمقال، ليكون التأثير أبلغ، والامتثال أسرع.

6- أن يتباعد عن تغريم دنياهم، وأن لا يلتفت إلى ما في أيديهم، وأن لا يطالبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير، فلا يطمع فيما في أيديهم، لا باطنا بالتشوف إليه، ولا ظاهرا بالطلب والسؤال، فترك الطمع في الناس، ورفع الهمة عن الخلق، ثقة بالملك الحق، هو الشرط الذي عليه المدار في التقديم، وبه يعرف الصادق من غيره، لذلك قال سيدنا رضي الله عنه "إن عقول الناس حول هذا المطاف تدور، وعلى هذا المقدار تجري بهم جميع الأمور".
والإخلال بهذا الشرط هو الذي أدخل البلبلة والتخليط في أمر التقديم، زيادة على حب الرئاسة والظهور، لذلك يجب ألا يقدم من فيه رائحة الطمع أو حب الرئاسة أبدا.